خطايا عصر السادات

عبد المنعم مصطفى

عشت طفلاً ويافعاً على هامش السياسة المصرية، فلم أكن أستطيع ممارستها، ولا حتى المشي قرب ضفافها، لا بالعمر ولا بالتجربة ولا بفضاء الحرية المتاح، وعندما ألقت بي التجربة أثناء حرب أكتوبر وبعدها، في آتون منظمة الشباب (الاشتراكي) كانت المنظمة تطوي ثوبها الاشتراكي، فيما أطلق السادات عفريت الانفتاح من قمقمه، بينما كان يكبس بإصبع خفية على زر اطلاق مارد الاسلام السياسي الذي أطاح لاحقاً كل شيء في طريقه، بما في ذلك السادات نفسه ومن ساعدوه على تسمين جماعات الاسلام السياسي وارسال بعض نخبها لاكتساب مهارات الجهاد المسلح في أفغانستان.

في منتصف عشرينيات العمر، كنت قد مشيت فوق ضفاف السياسة المصرية، وقرب نهايتها، كنت قد استخلصت أهم دروس السياسة عندنا، من وجهة نظري على الأقل، فالحزب الواحد لم يعد موجوداً على الورق، بعدما توارى في التراب، الاتحاد الاشتراكي العربي، التنظيم الأوحد، ومعه تلك الصيغة غير الممكنة (تحالف قوى الشعب العاملة) والهدف غير الدقيق (تذويب الفوارق بين الطبقات).

كانت الأيام قد برهنت لي أن الأحزاب الحقيقية في مصر حوالي خمسة أحزاب فقط، أكبرها حزب الأهلاوية، يليه حزب الزملكاوية، يليه حزب الاتحاد السكندري “سيد البلد” ثم حزب المصري البورسعيدي ثم حزب الاسماعيلاوية. أما ما عدا ذلك من أحزاب السياسة فلا وجود لها في الشارع المصري، بما في ذلك حزب الوفد بكل تاريخه وبكل عراقته.

أما أكبر الأحزاب السياسية في مصر فيمكن اعتباره “ببعض التصرف” حزب وداد جلبي، أو “على حسب وداد قلبي” كما يقول الراحل عبد الحليم حافظ في أغنيته الشهيرة.

حزب وداد جلبي، يخاطب المشاعر، والعواطف، متجرداً من أي رؤية، أو خطة، أو برنامج، للمستقبل، فالعاشق الولهان يسعده الوله والشقاء بانتظار أن يرى طرف ثوب حبيبته، ويرضى تماماً بذلك، بل ويعيش معه يستدعيه الى الذاكرة ويستحضره من خفاء الماضي الذي ذهبت أيامه الى حاضر بلا ملامح ومستقبل ما زال في طيات المجهول.

حزب وداد جلبي، صيغة جامعة ومريحة من لعبة السياسة، يخوض بها مرشحون من أغلب التيارات سباقاً نحو برلمان يقول بعض مريدي جماعة وداد جلبي أن أول مهام هذا البرلمان المنتظر، يجب أن تكون تعديل الدستور الذي تجري بموجبه الانتخابات البرلمانية، بهدف تقزيم نفسه وتكبير الرئاسة.. وبالطبع فان برلماناً كهذا يجب أن يتمتع بأعلى درجات الايثار وانكار الذات، فالجميع يعمل وفق مبدأ على حزب وداد جلبي، حيث كل شيء جائز، وحيث كل المؤسسات تنحني لا للدستور ولكن للمحبوب، الذي يتحور ويتغير فيصبح تارة الوطن، ويصبح تارة أخرى الزعيم، ثم يبدو ملتبساً أحياناً أخرى فيصبح الوطن والزعيم “حتة واحدة”، مثل بعض آلهة الهندوس في جنوب الهند.

أخطر ما في “حزب وداد جلبي” أنه لا يستوعب تجارب التاريخ القريبة جداً، حين حاول جمال عبد الناصر بجلالة قدره، تأميم السياسة في مصر – ضمن أشياء أخرى- فأطلق ما يسمى بـ “هيئة التحرير”، لتكون حزب الثورة، لكن الهيئة سرعان ما توارت بعدما كان أكبر انجازاتها أنها أتاحت فرصة تعرف المشير عبدالحكيم عامر على الفنانة الراحلة برلنتي عبد الحميد، وزواجهما لاحقاً.

ثم كانت التجربة الثانية لحزب وداد جلبي تحت مسمى الاتحاد القومي، الذي سرعان ما تحول بعد موجة تأميمات حملت عنوان قرارات يوليو الاشتراكية (١٩٦١) ليصبح الاتحاد الاشتراكي العربي، تلك الصيغة التي ابتكرها جمال عبد الناصر تحت عنوان “تحالف قوى الشعب العاملة” والتي جرى تعريفها بأنها “العمال والفلاحون والرأسمالية الوطنية والمثقفون والجنود”.. لكن العبقري الراحل أحمد فؤاد نجم انتقد صيغة عبد الناصر، وكما تنبأ نجم، فقد مات التحالف، وراح عبد الناصر صاحب الصيغة يحاول معالجتها بعد النكسة باصلاحات بيان 30 مارس (آذار) الشهيرة، عام 1968، ومات قبل أن يرى إخفاق اصلاحاته تحت الصيغة الجامعة نفسها، صيغة على حزب وداد جلبي، التي أجهز عليها السادات، بعد اطاحة من أسماهم مراكز القوى، ولو كانوا بحق مراكز للقوى لما استطاع اسقاطهم بضربة واحدة وايداعهم السجون.

جرّب السادات اصطناع تعددية في “المختبر الرئاسي” وأسماها “المنابر” وقسمها الى يمين ويسار ووسط، ثم وضع نفسه ورجاله في الوسط وفوقهم آية “وجعلناكم أمة وسطا”.. فأسبغ على أهل الوسط قداسة تعطيهم حصانة ضد النقد، وتفتح لهم أبواب البرلمان الذي تغير اسمه في عهده من مجلس الأمة الى مجلس الشعب. ومع الوقت أصبح الوسط هو “حزب مصر” وكأنما باقي الاتجاهات السياسية من بنها وليست من مصر!

ما علينا.. كبرت فكرة احتكار حزب واحد لكل مصر، فقرر السادات أن ينزل السوق السياسي بنفسه، واستدعى من كتب التاريخ حزباً ارتبط بالوطنية المصرية، هو الحزب الوطني الذي أسسه زعيم الوطنية المصرية مصطفى كامل.

لبس السادات حلة مصطفى كامل، بعدما استدعى رمزاً وطنياً شريفاً ارتبط تاريخه قبل ثورة يوليو (تموز) بالحزب الوطني القديم هو فتحي رضوان، ويا لهول ما حدث، فما أن أعلن السادات عن اعتزامه تأسيس حزب يترأسه هو، حتى هرول نواب الحزب الحاكم الذي كان يتزعمه رئيس الوزراء ممدوح سالم (حزب مصر) الى تقديم استقالاتهم من الحزب الحاكم للحاق بعضوية حزب ما زال تحت التأسيس، والغريب أنه حين استوقف هذا المشهد الصحافي الكبير الراحل مصطفى أمين فانتقد في عموده اليومي من هرولوا من حزب حاكم يرأسه رئيس الحكومة الى حزب تحت التأسيس يرأسه رئيس الجمهورية، أمر السادات بمنع مصطفى أمين من الكتابة، بل انه أهان نقيب الصحافيين وقتها الأستاذ الرقيق علي حمدي الجمال رئيس تحرير “الأهرام” في الوقت نفسه، حين ناشده في اجتماع برؤساء التحرير أن يسمح بعودة مصطفى أمين الى الكتابة مجدداً، فرد عليه السادات باستخفاف بحركة من يده بمعنى “أترزع مكانك”، ثم قال له: “حتى انت يا أبو…”. وكانت اهانة الجمال على الملأ قاسية الى حد أن قلبه الرقيق لم يحتمل الصدمة فرحل بعدها بأيام طبقاً لرواية الزميلة هدايت عبد النبي الصحافية في “الأهرام”، التي كانت بصحبته حين انكفأ على وجهه لدى خروجه من المصعد في أحد الفنادق بالولايات المتحدة أثناء مهمة رسمية بصحبة حسني مبارك نائب الرئيس السادات آنذاك (عام ١٩٧٩).

أراد السادات أن يكون لديه نظام “يبدو” وكأنه متعدد الأحزاب، بينما هو في جوهره نظام الحزب الواحد، هو نفسه حزب وداد جلبي. “هوه بغباوته!”، ونجح ظاهرياً في ذلك، لكن ما انطلى على الداخل الطيب، لم ينطلِ على الخارج المتربص.

ففي محادثات سلام جرت في قلعة ليدز بانكلترا بين مصر واسرائيل أعقبت زيارة السادات للقدس، سأل رئيس الوزراء الاسرائيلي مناحيم بيغين نظيره المصري د. مصطفى خليل بوقاحة: من أنت؟! قال مصطفى خليل: انا د. مصطفى خليل رئيس الحكومة المصرية. فقال له بيغين وقد تضخمت وقاحته: من تمثل أنت؟! هل أنت رئيس حكومة منتخب مباشرة من الشعب؟! واستطرد بيغين: أنا رئيس حكومة مفوض من شعب اسرائيل عبر انتخابات نزيهة، فمن منحك التفويض؟! وأضاف: أريد أن أتفاوض مع مفاوض مفوض من الشعب المصري.

كانت تلك الحادثة مؤلمة لمن سمعوا بها آنذاك من المصريين، وربما كانت بين عوامل أخرى ساعدت في عودة حزب الوفد تحت رئاسة فؤاد سراج الدين، وكان من المفترض أن يضع النظام السياسي المصري بعدها نهاية لصيغة “على حزب وداد حلبي” تلك الصيغة الجامعة التي تصطنع حالة اصطفاف وطني “مؤقت” و”غير حقيقي”.

لكن الصيغة التي بشر بها الراحل توفيق الحكيم في رائعته “عودة الروح” تحت عنوان “الكل في واحد”، أخذت بلب حكام مصر منذ ثورة يوليو، واستمرت حتى في عهد مبارك، الذي لم يكن على الأرجح مشغولاً بتوفيق الحكيم أو مهتماً بحكاية “الكل في واحد”، فقد واصل مبارك السير على النهج نفسه ايثاراً للسلامة، واعتقاداً منه أن السادات كان “راجل عقر” يجيد ألعاب السياسة، وفي سياق هذا النهج تضخم حزب وداد جلبي مجدداً حتى بات من الصعب افتراض وجود أحزاب أخرى الى جانبه، وهو ما بلغ ذروته في انتخابات 2010 التي استأثر فيها حزب مبارك “الوطني” بأغلبية الأغلبيات التي تتيح له تعديل الدستور واختراع القوانين المؤسسة والراعية والحاضنة للفساد ورموزه، وكلنا نعرف ماذا حدث بعد ذلك، فقد خرج من قال عنهم مبارك “خليهم يتسلوا” وأدى خروجهم والتفاف الشعب حولهم الى اسقاط النظام برمته.

ولكن هل سقط النظام برمته فعلاً؟! وهل قادت ثورة المصريين ضد استبداد مبارك باسم ” الوطنية” ثم ضد استبداد الاخوان باسم “الدين” الى اسقاط الفكر الذي قاد مصر مرتين عند حافة انفجار وطن وعلى أعتاب تشظي شعب؟

استمرار صيغة على حزب وداد جلبي، تارة تحت مسمى “في حب مصر”، وتارة أخرى تحت عنوان “مستقبل وطن”، ثم ما جرى ويجري من اختيار الخصوم والمنافسين بعناية تفوق أحياناً اختيار الأنصار والمشايعين، كلها امارات على استمرار الماضي في حكم المستقبل، وعلى جفاف الخيال السياسي لدى غالبية النخبة الحاكمة في مصر التي تستسهل استنساخ الماضي بكل خطاياه وعيوبه، على ارتياد الجديد، والتخلي عن أوهام الوقاية، بالانطلاق الى آفاق العلاج ولو جراحياً في غرفة العمليات.

مصر تريد برلماناً يحقق الوعد باحترام الدستور، ويتمسك بآليات حمايته وصيانته، برلمان يصون صلاحياته ودوره طبقاً للدستور الذي انتخب بموجبه، لا برلمان يرقص نوابه فوق جسد وطن مثخن بجراح الهزيمة احتفالاً بعودة الرئيس عبد الناصر عن قراره بالتنحي، ولا برلمان يصفق نوابه لتمديد ولايات رئاسية غير محدودة للسادات، ولا برلمان يضع أسيجة حماية للفاسدين وحاضنة برلمانية للفساد في عهد مبارك.

كلنا الآن نرى ونعرف مآلات برلمانات أنتجت الهزيمة ورعت الاستبداد واحتضنت الفساد، ولا نريد مجدداً بعد كل تلك التجارب والتضحيات والثورات، أن نستيقظ على برلمان وفق صيغة “على حزب وداد جلبي” يجمع أصحاب الهوى وطلاب السلطة ممن يشرعون وفق مقاسات النظام، ويراقبون حيث يريدهم أن ينظروا.

مصر تريد برلماناً يعكس التنوع والتعدد ولا يسمح بالمساس بدستورها أو العبث بوحدتها، ويستوعب تجربتها السياسية، فلا يجرب المتجرب فيخسر فرصة نهضة ويهدر عمر جيل.

شارك المقال