إنتهى الأسبوع الماضي على وقع خطابين سياسيين مهمين الأول للرئيس نبيه بري، والثاني لألد “أعدقائه” السياسيين – إذا صح التعبير – الدكتور سمير جعجع، وذلك بعد أسبوع من خطاب الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله والذي “نفَّس” فيه بعض الاحتقان الذي عاشه اللبنانيون والمنطقة طيلة شهر آب، بعد إغتيال القائد فؤاد شكر في ضاحية بيروت الجنوبية ورئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية في طهران نهاية تموز الماضي.
وإذا كان خطاب نصر الله قد تطرَّق كعادته الى “مشكلات” الإقليم وتداعياتها على الوضع في لبنان، من دون التطرق الى الأوضاع الداخلية – وكأنها لا تعنيه للأسف، فإن الخطابين الآخرين لكل من رئيس مجلس النواب رئيس حركة “أمل” نبيه بري في ذكرى تغييب الامام موسى الصدر، ورئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع في ذكرى شهداء “المقاومة اللبنانية”، قد “نجحا” في كسر “روتين ورتابة” الحياة السياسية الداخلية المستمرة على جمودها منذ عدة أشهر ولو لأيام قليلة، من دون أن ينتج عن هذا الكسر – على الرغم من أهمية الذكرى وهي الأهم لدى الطرفين، أيُ “أملٍ” بيوم جديد قد يمد لبنان بـ “قواتٍ” إضافية تضعه فعلاً لا قولاً على طريق “الجمهورية القوية” المرجوة من غالبية اللبنانيين بغض النظر عن نظرة كل منهم الى هذه القوة ومعناها وأهدافها.
فالرئيس نبيه بري لم يأتِ بجديد في خطابه وكرَّر موقفه الذي أعلنه العام الماضي في المناسبة نفسها، من تشاور وحوار لعدة أيام في مجلس النواب والذهاب بعدها إلى جلسات إنتخاب متتالية، الأمر الذي رفضته “المعارضات” سابقاً ولا تزال ورأس حربتها حزب “القوات اللبنانية”، بشكل جعل دعوة الحوار اليوم – وهو “البدعة” التي بدأت في العام 2006 وكان موضوعها فقط هو الاستراتيجية الدفاعية – تبدو وبعد 18 عاماً كمن يُخرج بذلته القديمة ليلبسها اليوم في مناسبة جديدة هي إنتخاب رئيس للجمهورية، بحيث يبدو شكلها أقل ما يقال فيه انه غير مناسب لا للجسم السياسي ولا للمناسبة – بغض النظر عن موقفنا الشخصي، لذلك نرى أنه إذا كان هناك من جدية في الطرح – وجَب تغيير الخطاب – البذلة، أو أقله إعادة “ترتيبها” لتتناسب مع واقع الحال بغض النظر عن تعقيداته التي قد تطيح – ولسنا نعيش الوهم هنا – كل فرصة ممكنة للتوصل إلى حل .
على المقلب الآخر، لم يقدم الدكتور سمير جعجع في خطابه كذلك أي جديد يذكر، سوى ترديد المقولات التي باتت محفوظة عن ظهر قلب – كي لا نسخِّفها ونقول كليشيهات ممجوجة، بينما المنطق يقول ان وظيفة القوى السياسية كافة – والمعارضة تحديداً – هي أن تجترح الحلول الممكنة للأزمات وتقترحها، حتى في حال فشل أي طرح عليها بالمبادرة والإتيان بطروح أخرى ممكنة وواقعية تأخذ الواقع السياسي في الاعتبار، أو السعي الى تحرك شعبي ما على الأرض لمحاولة تغيير واقع الجمود – أيضاً في حال وجود جدية في الطرح، وليس فقط الإشارة إليها وتفنيدها والشكوى منها، فهذه مهمة الناس العاديين وربما بعض النخب الاجتماعية والثقافية العاملة والمتضررة من هذه الأزمات والتي لا يد لها في تغييرها سوى ما تقوم به من إنتخاب للقوى السياسية لهذه الغاية.
وهكذا يبدو لبنان – حتى الآن على الأقل – في وضع ينطبق عليه القول “نسمع جعجعة ولا نرى طحينا”، كما يبدو وكأنه باقٍ في “ثلاجة إنتظار” التطورات الاقليمية، التي يبدو أنها سائرة نحو التأزم المستمر خصوصاً مع إستمرار تعنت “الذئب الجريح والهائج” بنيامين نتنياهو، وذهابه بالحرب حتى آخرها في غزة على ما يبدو وإمتداد لهيبها إلى الضفة الغربية ما ينذر بأسوأ العواقب والمخططات في الأشهر المقبلة، وهي فترة تبدو في ظل الإنشغال بالانتخابات الأميركية وكأنها فترة سماح له لإرتكاب كل موبقاته ومخططاته وتنفيذها ضد الفلسطينيين، وقد يكون لبنان من ضمن هذه المخططات، في الوقت الذي لم يزل اللبنانيون يختلفون على جنس الملائكة، ولبنان محشوراً بين خطابين ورؤيتين متباعدتين، قد يكون أخطر ما فيهما أنهما قد تترجمان خلافاً طائفياً في أي وقت، في حال إستمر الشحن الاعلامي المتبادل والجمود السياسي الداخلي الناتج عن عجز القوى المختلفة عن إبتكار الحل لأزمات داخلية قد تودي بالبلد إلى “إنهاء وجوده السياسي” كما سبق وحذَّر الموفد الفرنسي جان إيف لودريان في زيارته الأخيرة إلى لبنان. فهل من يتحرك جدياً ويبادر و”يتنازل” من أجل لبنان والشعب قبل فوات الأوان، أم لا زلنا ننتظر الترياق من “الخماسية” وبالتحديد من إجتماع لودريان – (نزار) العلولا في الرياض؟


