كانت ذاكرتي الحديدية مصدر رضا جدتي لأمي، التي كانت تقول عني: “ده واد يوعى على فحت البحر”، وكانت تلك الذاكرة هي مصدر توهم الآخرين أنني طفل حاد الذكاء، لكنني لم أكن كذلك في أي وقت، سوى أنني أدركت مبكراً، ضرورة أن يعتقد الآخرون ذلك، وكنت أتغلب بالاجتهاد على فروق القدرات العقلية لمنافسين محتملين، كنت أذاكر دروسي عدة مرات، لأصل الى مستوى إجادة يعزز صورتي الذهنية لدى الآخرين باعتباري على قدر من الذكاء. حتى عندما اشتغلت بالترجمة لدى التحاقي بوكالة “أنباء الشرق الأوسط”، فإنني كنت أذاكر ما يستجد من مصطلحات أو كلمات مستجدة بالنسبة لي، لأسد الفجوة بيني وبين زملاء لي تخرجوا من مدارس اللغات والتحقوا في الجامعة بأقسام اللغات، لم أكن أفضل منهم بالتأكيد، لكن اهتمامي بالمعلومات وبكيفية الحصول عليها، وقدرتي على صياغتها على نحو مقبول، كل ذلك ساعدني على سد الفجوة اللغوية مع زملاء العمل من خريجي أقسام اللغات.
فعلت هذا طيلة حياتي، منذ التحقت بالمدرسة الابتدائية، وحتى حين خضت الحياة العامة ممارساً للصحافة، أو مشتغلاً بالسياسة، أو منخرطاً وسط الجماهير ضمن تجربة قصيرة وعميقة في العمل السياسي المصري.
أعانتني ذاكرتي كثيراً، حتى في الحساب والرياضيات، إذ كنت أستطيع استخراج نتائج أية عملية حسابية قبل أن يبلغها أغلب المختصين.
لم أكن قد التحقت بالصف الثالث الابتدائي، حين راح أبي يحدثني عن أمله في أن التحق بالكلية الفنية العسكرية التي تأسست في العام نفسه، لم أكن أعرف ما هي تلك الكلية، ولا مدى اتصالها برؤيتي لدور لي في المستقبل، ولهذا لم أبدُ متحمساً لتحقيق أمنية أبي، أردت أن أكون أحد اثنين، إما الالتحاق بالسلك الديبلوماسي، وهو حلم قمت بنحته فوق جدران شرفة بيتنا في شبرا، مستعيناً بمسمار، وأنا بعد على مشارف الصف الثاني الإعدادي.. نحت فوق الجدار عبارة تحمل اسمي وكتبت تحتها “سفير الجمهورية العربية المتحدة في واشنطن”.. هكذا دفعة واحدة! لكنني حين سنحت الفرصة مرتين بعد سنوات، للالتحاق بالسلك الديبلوماسي، رفضت متعللاً بأنني لست مهيئاً للدفاع عن وجهات نظر حكومية قد أكون مختلفاً معها.
سكنني حلم العمل في الصحافة والاعلام، كان الأستاذ محمد حسنين هيكل هو مثلي الأعلى في الصحافة، وكانت الأستاذة آمال فهمي هي مثلي الأعلى في الاعلام، وأذكر أنني ألححت على قريب لي كان يعمل في البرنامج الأوروبي بالإذاعة، أن يصطحبني معه وأنا بعد في الصف الخامس الابتدائي، كنت أريد أن أرى هؤلاء الذين يشكلون وعينا ووجداننا، وحين رأيت الأستاذة آمال فهمي لأول مرة، تلقيت صدمة إدراك الفارق بين صورة لها صاغها خيالي قبل أن أراها، وصورة مغايرة الى حد ما رأيتها بأم عيني، كما رأيت الأستاذ أمين بسيوني أيضاً، لكن أجواء مبنى الإذاعة بشارع الشريفين، كانت أكثر من ملهمة لي، حتى أنني أضمرت أمنية في نفسي لدى مغادرتي مبنى الإذاعة بصحبة قريبي، هي أن أعود يوماً حين أكبر للعمل في هذا المكان، وهو ما حدث بالفعل في عام ١٩٧٧ بعد حوالي ستة عشر عاماً من زيارتي الأولى لدار الإذاعة المصرية، التي أصبحت مقراً لوكالة “أنباء الشرق الأوسط” التي التحقت للعمل بها في قسم الترجمة.
لعبت المقادير دورها في تهيئة الظروف للالتحاق بالصحافة، كنت قد التحقت في عام ١٩٦٩ بكلية الآداب في جامعة عين شمس بقصد دراسة الصحافة، لكنني فوجئت بعدم وجود هذا القسم آنذاك، وأجبرت على الالتحاق بقسم الاجتماع وعلم النفس، لكنني بعد أيام فقط اكتشفت أن هذا ليس مكاني، وأن علي مغادرته بسرعة قبل فوات الوقت.
شرعت في طلب التحويل الى كلية الحقوق في الجامعة نفسها، كان د. زكريا البرديسي أحد معارف الأسرة يعمل أستاذاً للشريعة بالكلية نفسها، وقد ساعدني في إتمام إجراءات النقل بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر من بدء الدراسة.
عملت في المحاماة بضعة أشهر بعد التخرج، لكنني واجهت صعوبة في التكيف مع مسألة تحصيل أتعابي من موكلين فقراء، أو يتعرضون لظلم اجتماعي أو سياسي، ولا أنسى أنني تعاطفت مع زوجين حديثي زواج، كانا قد استأجرا شقة خالية بعقد مفروش من لواء سابق بالشرطة، وحين أتما تأثيث الشقة فاجأهما المالك بطلب إنهاء الايجار. رفضت أن أطلب من الزوجين أية أتعاب مراعاة لظروفهما، وحين علم المحامي صاحب المكتب بذلك، غضب مني وبشدة، وقال لي: كيف سنعيش إذن إن لم نحصل على أتعاب مناسبة من الموكلين؟! كان محقاً، لكنني أيضاً اعتقدت أنني على حق.
التحقت بوظيفة حكومية لبضعة أشهر، تقدمت بعدها للعمل في وكالة “أنباء الشرق الأوسط”، بمقتضى مسابقة واختبار تحريري وآخر شفهي وثالث بمقابلة شخصية. أما كيف اجتزت الاختبار التحريري، وكيف تعاملت مع الاختبار الشفهي، فتلك حكاية، قد تحتاج الأجيال الجديدة الى التعرف عليها.
على غير انتظار، زارني في مكتبي بجهاز الكسب غير المشروع، أحد زملائي في الجامعة، كان قد التحق بعد التخرج بوظيفة في ادارة الشؤون القانونية في إحدى شركات القطاع العام، لكن روحه القلقة، واستحواذ الصحافة على اهتماماته منذ التحاقنا معاً بكلية الحقوق في جامعة عين شمس، كانت تُلِّح على خاطره بمحاولة استكشاف طريقه للعمل في الصحافة.
كان هذا الزميل يعرف شغفي بالعمل في الصحافة، التي مدت ما بيني وبينه جسوراً، لم نتصور يوماً أن تقود أحدنا الى محطة أحلامه.
فتح صديقي الزائر صفحة جريدة كانت بيده وفيها إعلان من وكالة “أنباء الشرق الأوسط” عن طلب محررين للعمل بالوكالة، وألح علي أن نتجه (الآن) الى مقر الوكالة بمبنى الإذاعة القديم بشارع الشريفين، من أجل التقدم بطلب الالتحاق بوظيفة محرر.
لم أكن على ثقة بإعلانات الوظائف، فغالبيتها محفوظة للمحظوظين من ذوي الواسطة، ولم أكن متحمساً بالتالي لبذل أدنى جهد لتقديم طلب الالتحاق بالعمل في وكالة “أنباء الشرق الاوسط” (أ ش أ). راهنت صديقي على أن الوظائف محجوزة وأننا نضيع وقتنا. وازداد يقيني بذلك الرهان عندما طلبوا منا تسديد ثلاثة جنيهات ضمن مسوغات الطلب، قلت لصديقي: “ألم اقل لك؟ مزنوقين في قرشين ح يجمعوهم من المتقدمين السذج أمثالنا!”.
المهم أننا استوفينا مسوغات التقديم للوظيفة، وأبلغونا أنهم سيخطروننا بزمان ومكان الاختبارات التحريرية التي تجرى على يومين، والشفهية التي تجرى في يوم ثالث.
فوجئت في أول أيام الاختبارات بضخامة أعداد المتقدمين (أكثر من ٢٦٠)، ثم بجدية لجان الامتحان الذي عقد في مقر إداري للوكالة بشارع صبري أبو علم بجوار مبنى بنك قناة السويس الحالي.
ظهرت نتائج الاختبارات التحريرية، وتم تحديد مواعيد الاختبارات الشفهية التي جرت على مدار ثلاثة أيام، كان موعدي في اليوم الثاني للاختبارات، فاعتبرت أن أمامي فرصة لمعرفة ما الذي يجري أمام لجان الشفوي خلف الأبواب المغلقة.
ذهبت في اليوم الأول لأتابع عن كثب أجواء الاختبارات ومدى جديتها، ومقدار ما تتيحه للمتقدمين من فرص حقيقية لاستظهار المهارات، وأمكنني بسهولة ملاحظة أن زمن الاختبار لا يتجاوز دقيقتين أو ثلاثة تكفيان بالكاد للإجابة عن سؤال تقليدي قد يكون عن المؤهلات أو الخبرات إن وجدت، ولهذا السبب اتخذت قراراً فورياً باستخدام تقنيات إطالة أمد المقابلة لزمن أطول يتيح استظهار المهارات، قلت لنفسي إن اللجنة التي تضم خمسة أعضاء بينهم أربعة من مدراء التحرير، يترأسهم نائب رئيس التحرير، ستجد نفسها مضطرة لتكرار بعض الأسئلة بسبب ضخامة عدد المتقدمين للاختبار، وقررت تبعاً لذلك أن أساعد اللجنة في العثور على أسئلة جديدة تعفيها من حرج التكرار، وتتيح لي فرصة الإجابة عن أسئلة أنا من سرّبتها خلسة للجنة الممتحنة. وقد كان، اذ سارت الأمور تماماً كما خططت لها.
استفدت كثيراً من استخدام اُسلوب استدعاء الأفكار عن طريق تداعي المعاني، كما يفعل المعالج النفسي أحياناً مع مرضاه.
سألني أحدهم عن الحدث الدولي الذي لفت إنتباهي اليوم (يوم الامتحان في مارس (آذار) ١٩٧٧)، قلت إن تطورات الأوضاع في بولندا، تستوقفني بسبب تأثيراتها المُحتملة على تماسك حلف وارسو (تحالف لدول الكتلة الشرقية كان يضم كل من الاتحاد السوفياتي، وبولندا وبلغاريا والمجر ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية).
تبادل أعضاء اللجنة نظرات تحمل خليطاً من الإعجاب والدهشة، ما أغراني باقتياد الحديث الى تناول ما أسميته تصدع التحالف الشرقي بفعل الخلاف الصيني- السوفياتي، وتأثيراته على “إنتكاسة الثورة في العالم الثالث”… سألني أحدهم عن كيفية تأثير الخلاف الصيني- السوفياتي على حركة التحرر الوطني في العالم الثالث، فسقت له مشاهد ما يجري في بعض دول جنوب غرب إفريقيا من تناحر بين جبهات مقاومة للاستعمار البرتغالي، وانعكاسات ذلك على مستقبل النضال في تلك الدول.
امتد زمن المقابلة لما يتجاوز العشرين دقيقة، ضغط أثناءها أحدهم زر جرس لاستدعاء عامل (ساعي) ثم طلب منه إحضار نص إنكليزي من صالة التحرير، طالبني بترجمته شفاهة، كان نصاً بسيطاً، لكنني صادفت فيه لأول مرة كلمة (crown prince) كان يمكنني ترجمتها بحسب السياق، لكنني تعمدت أن أعتذر بأنني أجهلها، ما دفع أحدهم الى القول وهو ممتلئ بالرضا: “يعني ولي العهد يا عبد المنعم”.
انتهت المقابلة، وغادرت إلى منزلي في شبرا لأفاجأ مع حلول المساء باتصال هاتفي، قال لي صاحبه: “أنا عز الدين أبو غنيمة متقدم مثلك لاختبارات الالتحاق بوكالة أنباء الشرق الاوسط، أردت أن أقول لك مبروك، أنت كنت محور حديث الأستاذ حازم فودة اليوم على الغداء، كان يتحدث عنك بإعجاب شديد”. لم أكن قد عرفت بعد زميلي الرائع عز الدين أبو غنيمة، ولا الأستاذ حازم فودة الذي كان بين أعضاء لجنة الامتحان، ولا عرفت بالطبع أنه زوج شقيقة الصديق عز الدين أبو غنيمة.
هكذا بدأت عملي في الصحافة بوكالة “أنباء الشرق الأوسط” المصرية في عام 1977 وامتدت علاقة العمل لسنوات طويلة، اعتدت خلالها رؤية رئيس التحرير آنذاك الأستاذ محمد عبد الجواد، وهو يجري اتصاله المسائي اليومي بالرئيس الراحل أنور السادات ليطلعه على آخر المستجدات، فيما كان بعض الزملاء يعكف على إعداد نشرة خاصة ليست للنشر، تتضمن أهم ما يخص الشأن المصري العام، كان يجري إرسالها يداً بيد إلى رئاسة الجمهورية، وقتها كانت الوكالة هي قناة مصر الرسمية للأخبار، وكما يبدو من اسمها فقد كان الشرق الأوسط كله منطقة اهتمام خاص لها، فيما كان يشير رمزها MENA الذي يختصر اسمها باللغة الإنكليزية Middle East News Agency إلى عمق الهوية المصرية للوكالة.


