اليسار بين الحشيش وسجائر فلوريدا

عبد المنعم مصطفى

لا أعرف، ما العلاقة بين سجائر “فلوريدا”، والطبقة الكادحة المصرية مطلع سبعينيات القرن الماضي، كان أغلب الأصدقاء من تيار اليسار المصري يدخنون “فلوريدا”، وكان بعضهم يحرص على طريقة معينة لتدخينها، اذ يضع السيجارة بين إصبعي الخنصر والبنصر، ويحكم قبضته على الفلتر، ثم يجذب النفس من قبضة اليد، وليس من السيجارة مباشرة.

أحد أبرز رموز اليسار المصري من مدخني سجائر “فلوريدا”، كان النائب أحمد طه، عضو مجلس الشعب عن دائرة الساحل وروض الفرج. كانت للرجل كاريزما خاصة، يعود بعضها في اعتقادي الى شعور بالمثالية لدى من يعتنقون فكر اليسار، فهم أقرب الى الرهبان، ويستمدون من تقدير البسطاء الشديد لهم، شعوراً كامناً بعظمة مصدرها فرط البساطة، ولهذا كان من السهل أن تتعثر خطواتك كل نهار في زحام “عظماء فرط البساطة”، الذين يختالون وسط بسطاء يؤمنون بعظمتهم.

كان أحمد طه – وهو شقيق المناضل عبد القادر طه، الذي اغتاله البوليس السياسي عام ١٩٥٢ بأمر من الملك فاروق بعد حريق القاهرة وقبل شهور من ثورة يوليو (تموز) – يجسد لدى جمهوره معاني الوطنية والتفاني في الخدمة العامة. وكانت أسرة أحمد طه تستضيف أنور السادات في حمايتها، حين كان مطارداً من البوليس السياسي قبل الثورة، وكان يقيم في غرفة تحت سلم بيت أسرة عبد القادر طه، لا يغادرها الا في المساء، حين يلتقي برفاق عبد القادر طه، ليدخنوا سجائر الحشيش ويلعبوا الورق لبعض الوقت. لكن ذلك لم يمنع السادات من اعتقال أحمد طه، منتصف السبعينيات، بتهمة التخابر مع سفارة بلغاريا! بقصد حرمانه من خوض حملة انتخابية لمجلس الشعب، لكن جماهير أحمد طه، وقفت خلف الرجل الذي تمكن من الفوز بالانتخابات على الرغم من وجوده في الحبس الاحتياطي.

ظل يسار السياسة والفكر مرتبطاً عندي بسيجارة “فلوريدا”، أما اليسار في مجالات الفن التشكيلي أو الكاريكاتير أو السينما فقد رأيته مرتبطاً بالحشيش طوال سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، وأذكر أن رسام الكاريكاتير المبدع جودة خليفة، قد اصطحبني من جلسة حوار ساخنة بحديقة نقابة الصحافيين – حين كان لدى النقابة حديقة – الى مجلة “أكتوبر” حيث كنا نعمل معاً، مروراً بأزقة ما يعرف اليوم بمثلث ماسبيرو، كانت حواري ضيقة ملتوية تحمل بعض بيوتها ملامح ثورة حي بولاق التاريخي على نابليون بونابرت قبل أكثر من مائتي عام. كنت أتدحرج فوق أرض طينية زلقة في حواري ماسبيرو الضيقة، حين جذبني جودة من يدي لنهبط درجاً طينياً زلقاً يقودنا الى حجرة طليت جدرانها بالجير الأبيض تعلوه نقوش عشوائية خضراء وبنية، فيها بعض مقاعد القش الآيلة للسقوط. جلست مغصوباً بينما يلح جودة علي بخوض التجربة، التي لخصتها أكواب الشاي الغنية بالسكر، ونارجيلة عبارة عن برطمان زجاجي مزود بأنبوب من القش (بوصة)، وسرعان ما أخرج صاحب الغرزة قطعة من الحشيش وضعها بين السبابة والإبهام، وغمز بعينه لجودة قائلاً: “تعميرة إكسترا”. بينما عاين جودة قطعة الحشيش قبل أن يردها ثانية الى صاحب الغرزة الذي قضم سنة حشيش بأسنانه قبل أن يضعها بحنان ظاهر فوق رصة المعسل، ويرصع حجر الجوزة بجواهر الفحم الياقوتي الملتهب.

جذب جودة خليفة نفساً عميقاً من الجوزة المترعة بالحشيش، وأطلق سحابة من الدخان الأزرق في فضاء الغرزة المختنق، وراح يحدثني عن جنة البروليتاريا، فيما كانت كل ملامح البؤس وأسبابه تحتشد داخل تلك الغرفة التي نتأمل من خلالها عبور أقدام فقيرة تنتعل بقايا نعال متآكلة أبلاها الزمان.

كان جودة خليفة رومانسياً مثل معظم أهل اليسار، وقد روى لي كيف عينته وزارة القوى العاملة أميناً لمتحف مصطفى كامل، وكيف أنه استعار بذلة مصطفى كامل لمدة ليلة واحدة ليرتديها في حفل زفافه، بسبب ضيق ذات اليد وأنه غادر بيت الزوجية في الصباحية مبكراً ليعيد بذلة الزعيم مجدداً الى فاترينة العرض. لا أعرف بالطبع إن كانت رواية جودة خليفة عن استعارة بذلة مصطفى كامل قد وقعت في الحقيقة أم أن جودة خليفة كان واقعاً تحت تأثير حشيش الحواري في مثلث ماسبيرو القديم!

يساري آخر من مدخني “فلوريدا”، تعرفت عليه خلال انخراطي بالعمل السياسي مع اندلاع حرب أكتوبر، اسمه ممدوح رواش، كان قد تخرج للتو من كلية الزراعة. كان متمرداً بطبعه، ساخطاً على الأوضاع ويائساً من إمكان التغيير، لكنه ساعدني كثيراً في مشروعين كبيرين، كان أولهما تأسيس مسرح وتدشين نشاط فني للشباب تحت راية منظمة الشباب الاشتراكي في قسم الساحل، وكانت تجربة ثرية بالنسبة لي كمسؤول عن التثقيف، زجّ بي في عالم جديد أثرى تجربتي الثقافية والفنية والفكرية. اما ثانيهما فكان تأسيس ناد للكتاب أقمناه في الطابق الأرضي بإحدى شقق المساكن الشعبية بشبرا، كنا مشغولين بأن نجعل الشباب يقرأ، مهما كان انتماؤه الفكري أو العقائدي، لكن تجربتنا لم يقدر لها الاستمرار آنذاك بسبب شكوك المؤسسة الأمنية (١٩٧٤-١٩٧٥) في مآلات هذا النشاط.

سألني ممدوح رواش ذات يوم إن كنت على استعداد لمساعدة صديق لوالده كان يحضر للدكتوراه في القانون الدولي، وكان اسمه م.ح. مصيلحي، كنت قد تخرجت للتو من كلية الحقوق، وسجلت في قسم الدراسات العليا للحصول على دبلوم القانون العام، اعتبرت الخدمة التي يطلبها ممدوح رواش لصديق والده، فرصة بالنسبة لي لأعرف المزيد في هذا المجال، ووافقت.

ذهبنا الى منزل الرجل في المعادي، وجدت شخصاً بديناً، أبيض البشرة، غني بالاستدارات، لا تعبّر ملامحه عن نبوغ ما، كان انطباعاً غير مريح قد تشكل لدي بمجرد رؤيته، عزز هو هذا الانطباع لاحقاً، حين عرّفني على أطفاله، فقد بدا سعيداً بكونهم بيض البشرة، بعيون ملونة وشعر أصفر، وقال لي: كما ترى فقد دخت من أجل اختيار زوجة بيضاء بشعر أصفر، من أجل أن تنجب لي أطفالاً ذوي بشرة بيضاء وعيون ملونة وشعر أصفر!

صدمني كلام الرجل، أعرف أن بعض البسطاء قد يفكر مثله، لكنه لم يكن بسيطاً، فقد عرفت منه، أنه يعمل مدير مكتب الدكتور محمد حافظ غانم الأمين العام للاتحاد الاشتراكي العربي آنذاك.

قلت لنفسي وأنا أراجع معه بعض فصول رسالته للدكتوراه، هل يمكن أن ينتج رأس هذا الرجل المسطح، علماً نافعاً، وما نوع الخبرات التي يقدمها مثل هذا الرجل لخدمة الحزب الوحيد الحاكم في مصر آنذاك؟! ثم ما هي المؤهلات المطلوبة لشغل وظيفة حساسة مثل وظيفته؟!

كنت في مكتبه بمقر الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي، الذي أصبح لاحقاً مقراً للحزب الوطني وجرى إحراقه في أحداث يناير (كانون الثاني) ٢٠١١، ودار بيننا نقاش سياسي ساخن، نصحني بعده أن أتريث، وأتعقل، لأكون مثل الدكتور حافظ غانم، قلت له: كيف؟! قال: ألا تلاحظ معي أن الدكتور حافظ غانم قد تنقل بين مناصب وزارية عدة، فكان وزيراً للسياحة، ثم وزيراً للتعليم العالي، ثم أميناً عاماً للحزب الوحيد الحاكم؟ قلت: نعم. قال: هل تعرف لماذا؟! قلت: لا أعرف. قال: لسبب بسيط جداً، كشفه لي بنفسه قائلاً: “موش مهم انت قاعد على أي كرسي.. فالمهم أن تكون داخل الغرفة وليس خارجها”! كان يهمس أحياناً، ويتحدث بلغة الإشارة في أحيان أخرى، خوفاً من أجهزة التنصت والتسجيل المنتشرة بالمبنى حسب ما فهمت من إشاراته وهمساته.

كانت الحوارات الممتدة مع هذا الرجل، كاشفة بالنسبة لي، لكنني بحداثة التجربة وحب الاكتشاف كنت شغوفاً في البداية بسبر أغوار الرجل ومحيطه السياسي. وكانت صدمتي في الدكتور حافظ غانم كبيرة، فقد كان أستاذاً تتلمذت على يده بجامعة عين شمس. كنت أراه قامة سامقة لكنني لم أكن أدرك لفرط سذاجتي كم أذل الحرص أعناق الرجال.

شارك المقال