من المؤكد أنّ الصراعات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط وإفريقيا، ستُرسي في نهايتها “تسويات” و”توازنات قوى” لا يمكن لأي دولة التغاضي عنها، إذا ما أرادت أن توسع نفوذها وتكون حاضرة بصورة مؤثرة في المنطقة. وتتجلّى هذه الفكرة في ما تفعله تركيا، التي تهرع الى عقد “المصالحات” و”الاتفاقيات”، لتضمن توسيع نفوذها في المنطقة اقتصادياً، سياسياً وحتّى عسكرياً.
ووقّع مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين مصر وتركيا في أنقرة، 18 اتفاقية في مجالات المالية، الطاقة، تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ومجالات أخرى بحضور الرئيسين التركي رجب طيب إردوغان، والمصري عبد الفتاح السيسي. وهذه الاتفاقيات من شأنها زيادة حجم التجارة البينية إلى 15 مليار دولار أميركي سنوياً.
عودة العلاقات تأتي بعد قطيعة استمرت لما يزيد على العقد بين البلدين، بعد دعم تركيا الإخوان المسلمين خلال ثورة 30 حزيران 2013، وفي زيارة هي الأولى من نوعها منذ 12عاماً للرئيس السيسي، التي سبقتها زيارة للرئيس أردوغان في شباط الفائت.
المصالح الاقتصادية للبلدين دفعت عجلة عودة العلاقات إلى الدوران من جديد، وأهمية هذه العودة تظهر في ما قاله أردوغان الذي عبّر عن الرغبة التركية في تحسين التعاون مع مصر في مجال الطاقة، وخصوصاً في الغاز الطبيعي والطاقة النووية. وتحرص تركيا على استيراد الغاز الطبيعي المسال من مصر كجزء من خطتها لتكون مركزاً للإمدادات إلى أوروبا.
ولم يقتصر عقد الاتفاقيات على مصر وحسب، بل عمدت تركيا في وقت سابق إلى توقيع اتفاق للتعاون في مجالي الدفاع والاقتصاد مع الصومال، بحيث سترسل بموجب الاتفاق سفينة استكشاف قبالة سواحل الصومال في وقت لاحق من هذا العام للتنقيب عن النفط والغاز.
ويسمح الاتفاق الموقّع لـ10 أعوام للجيش التركي بحماية السواحل البحرية للصومال، ويمنح أنقرة حقّ استغلال 30 في المئة من ثروات الساحل الصومالي، الأطول في القارة الافريقية.
لعب دور “الوساطة”
لم تكتفِ تركيا بالسعي الى عقد الاتفاقيات مع الدول الافريقية، بل عمدت إلى لعب دور الوساطة، وذلك من خلال استضافة أنقرة جولة محادثات ثانية بين الصومال وأثيوبيا، على خلفية إستئجار الأخيرة شريطاً ساحلياً من “أرض الصومال”، الاقليم الانفصالي عن الصومال، مقابل الاعتراف بها.
وعلى الرغم من عدم توصل هذه المحادثات الى اتفاق بين البلدين، إلا أنّه يظهر سعي تركيا الى لعب دور الوساطة بين القوى المتصارعة، لما في ذلك من مصلحة لها في توسيع نفوذها والحفاظ على علاقتها مع جميع الأطراف.
دور “الوساطة” هذا لم يقتصر على إفريقيا بل سبق لأنقرة أن حاولت لعب هذا الدور بين إسرائيل و”حماس” بعد “طوفان الأقصى” وبدء الحرب الاسرائيلية على غزة، ولكن هذه المساعي التركية فشلت في ظل تواصل الحرب التي اقتربت من اكمال عامها الأوّل، وحصر هذا الدور بكل من مصر وقطر.
وتجدر الاشارة إلى رعاية تركيا صفقة تبادل سجناء ما بين روسيا والدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية.
مصالحات مع دول الجوار
إن توجه تركيا الجديد المتمثل في “التوازن” فرض عليها أن تحسّن علاقاتها مع الدول الواقعة على شريطها الحدودي، ولتحقيق الهدف وجدناها توقع مذكرة تفاهم مع العراق للتعاون العسكري والأمني ومكافحة الإرهاب، وذلك بعدما شهدت السنوات القليلة الماضية خلافات بين الجارتين حول عمليات عسكرية عبر الحدود تنفذها تركيا ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني الذين يتمركزون شمال العراق.
ولكن مذكرة التفاهم لم تتضمن أي نص يتعلق بإنهاء وجود القوات التركية في الأراضي العراقية بحسب ما أكّدت رئاسة الجمهورية التركية.
كما تسعى تركيا الى فتح صفحة جديدة من العلاقات مع جارتها سوريا بعد انقطاع للعلاقات منذ بدء الأحداث في سوريا عام2011 ، والدعم التركي للفصائل المعارضة السورية لإطاحة نظام بشار الأسد. ولكن “تطبيع” العلاقات مع سوريا لا يبدو في المتناول، خصوصاً مع الشروط المتبادلة بين البلدين، إذ تشترط تركيا وضع دستور جديد لسوريا وعملية انتقالية سياسية تشهد انتخابات في البلاد، وهذا الأمر لا يبدو واقعياً بدرجة كبيرة، بحيث لم تستطع القوى الدولية، من بينها تركيا، فرض ذلك على الأسد في أحلك ظروف الحرب، عندما سيطرت المعارضة السورية على 70 في المئة من الأراضي السورية، فكيف له أن يرضخ لهذا الشرط الآن وقد عاد إلى الحاضنة العربية، عبر عودة سوريا الى مقعدها في جامعة الدول العربية خلال قمة جدّة 2023؟
أما بالنسبة الى سوريا، فإنسحاب القوات التركية شرط أساسي لعودة العلاقات، أو هذا ما تقوله على الأقل في الوقت الحاضر، ولكن مع الضغط الروسي على الطرفين قد يتنازل كل طرف عن بعض الشروط للوصول الى أرضية مشتركة تسمح للبلدين بعودة العلاقات الى ما كانت عليه.
إن الأزمة الاقتصادية التي عانت منها تركيا خلال السنوات الأخيرة وبلوغ التضخم أعلى مستوياته، دفعها الى تدابير متشددة اقتصادياً، وانفتاح على دول المنطقة سياسياً، ذلك أن الخروج من دائرة العزلة التي وضعت نفسها فيها وإتباعها سياسية المواجهة مع قضايا المنطقة، وضعها أمام واقع صعب ظهر جلياً خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ليظهر تراجع “الثقة” و”شعبية” حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، بعدما احتاج الرئيس أردوغان الى ورة ثانية لضمان استمرار حكمه المستمر منذ عشر سنوات.
سياسة “التوازن” أصبحت نهجاً مُتبعاً للسياسة الخارجية التركية لإدراكها أن اصطفافها مع أي طرف في النزاعات الدائرة يعني خسارتها علاقاتها مع أطراف أخرى، ولتتحول من “لاعب” في صراعات المنطقة إلى “وسيط” يسعى من خلال سياسته الخارجية الى الحفاظ على مصالحه الاقتصادية في الدرجة الأولى، وتوسيع نفوذه السياسي والعسكري في الدرجة الثانية.


