إنشغلت عقب التحاقي بالصف الاول الثانوي، باستكمال مظاهر النضج، مع يونيفورم جديد، بزي عسكري مميز، قميص (اوفرول) رمادي اللون، مع بنطلون بترولي اللون، و غطاء للرأس من نفس لون البنطلون يسمونه (فاروقية) تشبه تلك التي يعتمرها الطيارين، وبيادة عسكرية من الجلد الأسود، أما القايش( حزام ابيض ثقيل) والجدر (طوق ابيض يطوق الساق اعلى الحذاء) فإن علينا شراءه بمعرفتنا من و كالة البلح، على نيل بولاق ابو العلا.
بعد استكمال مظاهر الانتقال الى المرحلة الثانوية، يمر الشاويش يحيى، وهو منتدب من القوات المسلحة، على الطابور ليتأكد من التزامنا بالزي العسكري، و يحاول اثناء التفتيش، تهيئتنا نفسياً للطاعة المطلقة، فيثني على من يلتزم بأوامره، ويلعن من يخالفها، بألفاظ كانت جديدة تماماً على آذاننا (الطرية على حد وصفه) فينعت من يخالفه بكلمات مثل (انت رجعي ابن رجعي) و (لو لم يكن أبوك إقطاعياً لأحسن تربيتك).
كان الشاويش يحيى (والشاويش هي رتبة عسكرية دون الضابط) الثغاً بشدة في حرف الراء، وكان ينطقه على أنه ياء، و لكم أن تتخيلوا، كيف كانت ردود افعالنا أثناء الطابور، كطلبة في سن التمرد على شتائم من نوع (إنت يجعي. ابن يجعي) !!.
كانت الرجعية (السلفية السياسية) والإقطاع ، هما أعداء عبد الناصر، وكان جيلنا قد اعتاد على سماع تلك العبارات، سواء قالها عبد الناصر بنفسه، في خطبه الى شعبه، او تبناها كتاب الأغاني والأفلام. وما زلت أذكر كيف استعد مرسي جميل عزيز وكمال الطويل وعبدالحليم حافظ، بأغنية في ذكرى احتفالات ثورة يوليو، جعلت من الاشتراكية دينا للمصريين يعاقب من يخرج عليه بنبذ المجتمع له، فيقول مرسي جميل عزيز في أغنية “بلدي يا بلدي” التي غناها عبد الحليم حافظ في احتفالات. ذكرى ثورة يوليو عام ١٩٦٤:
“ياللي عليك تنفيذ مبادئنا ان كنت صغير ولا كبير
مبادئنا يعني ثورتنا يعني امانه وشغل كتير
لو تخدم باشتراكيه وبذمة وهمة قويه
انا زي ما قال ريسنا راح اشيلك جوا عنيا
وان خدت المركز جاه
ولعبت اللعب اياه
ولا همك غير مصلحتك
وظلمت فى خلق الله
هنقولك يا عديم الاشتراكيه يا خاين المسئولية
هنزمرلك كدهو ونطبلك كدهو
عايزين اللى يصون مبادئنا وينور بالحب طريقنا
ويغني معانا للحليوة بلدي
بلدي يا بلدي والله احلويتي يا بلدي
بلدي يا بلدي بلد الثوار يا بلدي”
قبلها بعامين في احتفالات ذكرى ثورة يوليو عام ١٩٦٢، غنى عبدالحليم حافظ من كلمات احمد شفيق كامل، أغنية كان عنوانها (مطالب شعب) كان يقول فيها:
“باسم تاريخنا وقوميتنا وانتصاراتنا على الرجعية
باسم حيادنا باسم الحاضر باسم أمل أجيالنا الجاية
باسم تاريخنا ومستقبلنا وانتصاراتنا على الرجعية
باسم تاريخنا باسم الحاضر باسم أمل أجيالنا الجاية
عايزين عايزين يا جمال عايزين
عايزين عايزين يا أمــل ملايين
عايزين عايزين يا أمل ملايين الوحدة الكبرى نعيش بيها
وحدة إشتراكية عربية بكفاية وعزم نقويها
الوحدة فكرة .. الوحدة دين .. وإيمان بيملا كل قلب
الوحدة مش حكام ورجعية وخيانة .. الوحدة شعب”
وهكذا كما يبدو من مفردات تلك الحقبة من تاريخنا، يبدو أن الشاويش يحيى، كان منسجماً مع مفردات هذا العصر، فمن لم يهتم بتلميع البيادة (الحذاء العسكري)، عميل او رجعي، و من لم يهتم بطلاء القايش والجدر باللون الأبيض الناصع إقطاعي ابن إقطاعي، او عديم الاشتراكية وخائن للمسؤولية.
انتشرت تلك المفردات في الحياة اليومية للمصريين، لكنها لم تغير جوهر تلك الحياة، فقد توارى اصحاب الأموال، واحتجب اصحاب المصانع والشركات، وعزف بعضهم عن النمو، فاتخذ قراراً ألا يكبر، وأذكر ان أحدهم قال لأبي مبرراً عزوفه عن تكبير مشروعه: خلينا كده في الظل أحسن..لو كبر المشروع لأمموه!!
أحد هؤلاء الرأسماليين المستغلين، طبقاً لتوصيفات تلك الحقبة، كان مجرد عربجي (حوذي) لدى احد مطاحن الغلال، فوجىء صاحب المطحن الذي يعمل لديه بمداهمات لجان التأميم، فأتمنه على بعض أجولة الدقيق المحشوة بالأموال، لكن الاخير احتفظ بالأموال لنفسه، وافتتح بها لاحقاً مطحناً للدقيق، تعرض هو ذاته للتأميم ايضاً، ثم جرى تعيين صاحبه العربجي على سبيل التعويض، مديراً عاماً للمطحن، براتب شهري مائة جنيه، لكن العربجي السابق، لم يحتمل رؤية مصنعه يتحلل، ويتفكك قطعة بعد أخرى، فاستقال، وضخ ثرواته المخبوءة في بناء بعض العقارات بمنطقة أغاخان على نيل شبرا، وسمعته يفسر قراره لأبي قائلاً: لم احتمل رؤية مطحني يتآكل امام عيني، كنت اراهم يحولون الشاحنات الى خردة يفككونها لاستخلاص قطع غيار لشاحنات اخرى معطلة، سوف تتحول هي الاخرى لاحقاً الى خردة.
بعض هذه الرأسمالية غير الوطنية حسب توصيف تلك الفترة، احتمى أصحابها بالانضواء تحت راية الحزب الأوحد (الاتحاد الاشتراكي العربي)، ليصبحوا بقدرة قادر، رأسمالية وطنية، فانخرطوا في لجانه، وقدموا له الدعم المادي ، سواء بمقار خصصوها له، او بتمويل حملات مرشحيه، وقد رأيت وعرفت بعضهم شخصياً خلال مرحلة قصيرة انخرطت خلالها في العمل السياسي.
احدهم كان مقاولاً في منطقة منية السيرج بشبرا، والآخر كان صاحب مصنع صغير للمعسل والدخان، ترشحا لانتخابات الاتحاد الاشتراكي بدائرة قسم الساحل، ضمن استعدادات مبكرة لخوض انتخابات مجلس الشعب.. كلاهما، المقاول، وصاحب مصنع المعسل، كانا يستعينان ببعض مقاولي الانتخابات، الذين كانوا يوظفون بدورهم بعض البلطجية، لرفع وتمزيق لافتات المنافسين، بل ان الكوميديا السوداء بلغت ذروتها، حين احترف فريق ثالث استئجار بعض النسوة يقمن بغسيل لافتات البفته البيضاء، لإزالة الشعارات المكتوبة عليها، ثم حملها لاحقا الى خطاطين اخرين يكتبون شعارات مؤيدة لمرشح آخر، او مناوئة لمرشح ربما كان هو صاحب اللافتة الأصلية الأولى.
بيزنس اللافتات، وحملات الدعاية والدعاية المضادة في منطقة منية السيرج، كان له رجاله، وكان ابرزهم شاب ربعة، ذي شعر كثيف أسود يشبه ممثلي أدوار الشر في الأفلام الهندية، كان يعمل موظفاً بشركة القاهرة للأدوية، اعتاد هذا الشاب ان يقدم خدمات الدعم الانتخابي للمرشح ولمنافسه في ذات الوقت، واعتاد ان يعيد بيع اللافتات التي أعدها لحساب أحد المرشحين، للمرشح المنافس، بعد غسلها وإعادة الكتابة عليها، بل انه كان يجري مقاولات، لنزع او سرقة بعض اللافتات، لحرمان بعض المرشحين من الدعاية الانتخابية. أكثر ما كان يشغل هذا الشاب الربعة آنذاك، هو أمران، الأول هو؛ مقدار ما يدسه في جيبه كل ليلة من أموال انتخابية، والثاني؛ هو (ولائم البروتين)، حين يحمله المرشحون او أنصارهم الى مطعم ابو عزام الكبابجي، ويضعونه امام صحون الكفته والطرب والسلاطات، وأكواب الويسكي الحلال (خلاصة رحيق السلاطة الحريفة). في ختام يوم عمل انتخابي، في حياة مقاول الانتخابات (م.ع) تنتهي السهرة عند حلواني الخطيب بالتهام صحون الأرز باللبن بالبسبوسة، واحتساء أقداح من الشاي بالنعناع.
قفزت الرأسمالية (التي كانت تحمل صك الوطنية) الى مقاعد البرلمان في منتصف السبعينيات، لتصفي حسابها هناك مع ارث التجربة الناصرية بكل ما فيها، ولتستعيد اضعاف ما خسرته في عمليات تأميم خائبة، خسر بها الاقتصاد المصري، وتراجعت معها حصيلة الضرائب العامة، فيما انتعشت جيوب مقاولي الانتخابات، ليصبح (م.ع) أحد رموز السياسة لاحقاً، في كافة الأحزاب التي أسسها الحكم (من اول منبر الوسط، فحزب مصر، فالحزب الوطني) ولعل ابناءه يزاحمون الآن بالمناكب لاستكمال مشروع والدهم بالانخراط في (مستقبل وطن) او (تحيا مصر).
عبقرية السياسة في مصر ، ليس في بناء حزب يملك مشروعاً سياسياً، ويتطلع عبر الصناديق الى فرصة لتحقيق هذا المشروع، وانما في ركوب حزب او تنظيم او جماعة سلطوية، انتجتها سلطة قائمة، وأسبغت عليها الرعاية، وأرخت عليها أجنحة الحماية. كائنات طفيلية، تلاحق مؤسسات طفيلية، من أجل منافع آنية، ولا عزاء للمستقبل.


