لا أعرف عدد المرات التي طفت فيها حول الكعبة، ولا كم مرة سعيت بين الصفا والمروة، فقد فعلت ذلك أسبوعياً طوال فترة زمنية ليست بالقصيرة، محاكياً سعي ستنا هاجر زوجة سيدنا إبراهيم، وأم سيدنا إسماعيل أبو كل العرب، وهي تبحث لطفلها عن ماء يشربه وسط صحراء قاحلة انقطع عنها الماء، وانقطع فيها الرجاء، لكنها لم تفقد الأمل، حتى تفجر الماء تحت أقدام صغيرها.
استدعيت مشهد السعي وأنا أشاهد طلائع مصريين ينحدرون من آخر شارع شيبان قرب شارع الترعة أمام سينما النزهة الصيفية، يغذون السير باتجاه أول الشارع قرب شارع شبرا حيث مسجد الخازندار، ملبين نداء صلاة الفجر بصوت الشيخ نصر الدين طوبار.
قبل الآذان بدقائق، أخرج الى شرفتي مغادراً مكتبي بعد ساعات كلّ فيها البصر، مستغرقاً في مراجعة ما كتبه أساتذة عظام في القانون المدني كالدكتور عبد الرزاق السنهوري، والدكتور اسماعيل غانم، أو في القانون الجنائي كالدكتور علي راشد، وهم بين عباقرة القانون على مستوى العالم. كنت أشعر بالإشباع والامتلاء، عقب كل مراجعة في كتب السنهوري، وأمنح عقلي فسحة للراحة بالخروج الى الشرفة، أو الذهاب الى المطبخ لأعد لنفسي فنجاناً من القهوة التي اعتدت أن اشربها سادة (بدون سكر) أو قدحاً من الشاي أضيف اليه ملعقة واحدة من السكر أو أقل قليلاً.
أتناول الشاي في الشرفة، وقد استسلمت أذناي لصوت وقع أقدام الساعين الى المسجد للحاق مبكراً بالصلاة، فيما تحلق البركة في أجواء الشارع لدى مرور عّم محمد السني بائع الكسكسي، دافعاً أمامه عربة من الخشب صنعها بيديه وأضاف اليها إطاري دراجة قديمة، أحدهما مكسور، غير كامل الاستدارة، يصدر عن ارتطامه بأسفلت الشارع صوتاً مميزاً عند كل دورة للعجل، هذا الصوت المميز ذاته، مصحوباً بتسابيح ودعوات عّم محمد السني، كان يكفي وحده لإيقاظ عشرات النائمين للحاق بالصلاة في المسجد خلف الشيخ نصر الدين طوبار.
أضع معطف أبي فوق كتفي وأهرول للحاق بصلاة الفجر في المسجد، وما إن تنتهي الصلاة حتى ينطلق من سيبدأون يوم العمل باتجاه عربة الكسكسي التي ينبعث منها البخار، ليتناولوا إفطاراً شهياً سهر على إعداده عّم محمد السني وزوجته.
كان تناول الأطعمة التي يحملها الباعة (السريحة) محظوراً علينا منذ الطفولة، وعلى الرغم من نظافة مفرطة تعكسها عربة الكسكسي وصحون الألومنيوم اللامعة النظيفة، إلا أنني لم أجرّب كسكسي عّم محمد، وإن كنت قد اشتهيته بالطبع.
كنت أنظر بكثير من الغبطة الى العمال المتحلقين حول عربة الكسكسي التي استدعى رواجها وشهرتها بائعاً آخر للفطائر والبليلة ليقف الى جواره عند التقاء شارعي شيبان وشبرا، الجميع يتناولون إفطارهم في رضا، بانتظار وصول حافلات الشركات التي يعملون فيها لتقلهم الى مصانع في بهتيم أو شبرا الخيمة أو الى وحداتهم العسكرية في الهايكستب.
كانت مصر تسعى، وكان شارعنا بنظري آنذاك هو المسعى حيث يهرول العمال البسطاء مبكراً بين صفا البيت ومروة العمل، فيما تنطلق ألسنتهم بالتسبيح والدعاء. لم تكن شوارعنا قد عرفت زحام السيارات بعد، اذ كان عدد السيارات الخاصة (الملاكي) لا يتجاوز ثلاث سيارات، إحداها لمقاول كان يسكن بالجوار وكانت تعمل بذراع حديدية (مانيوفيللا) يديرها صاحبها قبل أن ينطلق بسرعتها القصوى التي لا تتعدى الستين كيلومتراً في الساعة، والثانية “شيفروليه” أميركية عملاقة تعود الى أحد تجار الخردة الأثرياء بوكالة البلح.
لكنني لم أستشعر المعنى الدنيوي للسعي، الا حين استدعتها أنشودة دينية “كل الناس بيقولوا يا رب”. كانت الأنشودة الصوفية لا تشير الى دين بذاته أو عقيدة بعينها فهي تقول “كل الناس” يعني بغض النظر عن ديانتهم أو معتقداتهم.. كلهم بيقولوا يا رب، في خشوع حقيقي ومن دون تظاهرات دينية. هذا النشيد المصري استبق ما يسميه البعض “الصحوة” الدينية مطلع سبعينيات القرن الماضي، وكأنما كنا في “غفوة” أيقظنا منها فصيل أطلق اللحية وقصّر الثوب.
تقول كلمات النشيد الديني الذي كتبه الشاعر حسن السوهاجي ولحنه أحمد عبد القادر ملحن أيقونة رمضان “وحوي يا وحوي” وكانت تبثه الإذاعة المصرية كل صباح لدى خروج المصريين طلباً للرزق والتماساً للبركة:
“كل الناس بيقولو يا رب
تهدينا وتكرمنا يا رب
وبيسمعنا بفضله وكرمه
وبيعلم كل ما في القلب
وكل الناس بيقولو يا رب… يا رب
يا رب… يا رب… يا رب… يا رب…
هو الأحد الصمد الفرد
اللي ما ينسى أبداً حد
هو اللي ما يخفى عليه عبد
وعالم بالحسنة وبالذنب
كل الناس بيقولو يا رب… يا رب
يا رب… يا رب… يا رب… يا رب…
كل قلوب الناس تناديه
كل الناس بالروح تناجيه
كل الناس محتاجه اليه
وينجينا في وقت الكرب
كل الناس بيقولو يا رب… يا رب
يا رب… يا رب… يا رب… يا رب…
رب العرش بفرجه قريب
هو تعالى وفضله عجيب
هو سميع لندائنا مجيب
لما ننادي نقوله يا رب
وكل الناس بيقولو يا رب… يا رب
يا رب… يا رب… يا رب… يا رب…
ربي في كل مكان موجود
ملكه الواسع غير محدود
هو لوحدة اله معبود
رازق طير السما بالحب
وكل الناس بيقولو يا رب… يا رب
يا رب… يا رب… يا رب… يا رب…”.
الذين يتحلقون حول عربة الكسكسي أو بائع البليلة والفطائر الساخنة، على ناصية شارع شيبان، كلهم، بغض النظر عن دياناتهم ومعتقداتهم، كانوا يقولون يا رب، التماساً للبركة وطلباً للرزق، هكذا كانت مصر، وهكذا كان فهم المصريين للوحدة الوطنية.
بعد هذه الصلاة المصرية الخالصة في محراب الصباح، كانت الإذاعة المصرية تبث منذ الخمسينيات، أغنية لأم كلثوم هي “يا صباح الخير ياللي معانا” وهي الأغنية التي أسميتها لاحقاً “النشيد القومي للصباح” فلا يحضر صباح المصريين إلا بها.
لم أكن قد بلغت بعد سن الالتحاق بالمدرسة حين كنت أتحلق حول مجلس الشاي باللبن والبقسماط، مع أخي الأكبر وأختي الكبرى وقد ارتديا الزي المدرسي ونالا نفحات من الشطائر التي تدسها أمي في كل حقيبة مدرسية، لكنني كنت أنفرد بالراديو بعد أن يغادرا البيت الى المدرسة، لأسمع أغنية خاصة بالذهاب الى المدرسة، كان يجري بثها قبل برنامج “الى ربات البيوت” تقول كلمات الأغنية التي تغنيها سعاد مكاوي:
“على مدارسكو المولى حارسكوا بنات وبنين
إنتوا عمادنا وكنز بلادنا ونور العين
وبشطارتكو تزيد حلاوتكو
ذاكروا دروسكوا.. وهي فانوسكوا.. لدنيا ودين”.
في أعقاب أنشودة المدارس التي تشيع تلاميذ مصر الى فصولهم، يأتي خطاب إعلامي موجه الى الأمهات والزوجات ضمن برنامج يجري بثه على مدار ٣٠ دقيقة اسمه “إلى ربات البيوت” كانت تقدمه الإذاعية الرائدة بحق صفية المهندس، وقد اختاروا له مقدمة موسيقية لأنشودة تقول “يا بنت بلدي زعيمنا قال… قومي وجاهدي وَيَا الرجال… قومي.. قومي.. قومي… قومي وجاهدي … قومي وجاهدي يا بنت بلدي”.
كانت عملية احتشاد مصرية قد بدأت بعد ثورة يوليو، شملت الرجال والنساء والفتيان والفتيات، وأذكر أثناء العدوان الثلاثي في عام ١٩٥٦، أن فريق المسرح المدرسي في مدرسة أختي الكبرى قد استعد بعرض مسرحي يدعو المصريين الى التطوع للمجهود الحربي، كان يشمل حواراً بين أخ وأخته، يستهله الأخ بقوله: “أنا ح أتطوع بس لوحدي”. فترد أخته: “وأنا وياك رايحه اخدم بلدي”. وحين يحاول أن يثنيها عن التطوع بدعوى الصعوبات والمشاق التي لا تحتملها فتاة، تجيبه أخته: “كل الصعب عشان أوطاني. ح يصبح سهل عليا… ومادام أنا مخلصة في إيماني ح تفضل روحي قوية”.
هكذا كانت الإذاعة والمدرسة تعدان الأجيال المصرية القادمة، لخوض تحديات جسام، وهو ما برهنت عليه لاحقاً معارك التنمية وبناء السد العالي، ثم حرب تحرير سيناء من أول معركة رأس العش وحتى العبور العظيم في السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣، فالذين عبروا هم هذا الجيل الذي أعدته إذاعة مصر ومدارس مصر وأمهات مصر.


