موقع مستقل | الناشر ورئيس التحرير: محمد نمر

جمهورية الموز

سياسة 2 أيلول , 2021 - 12:05 ص

لبنان الكبير

 

"جمهورية الموز" هو مصطلح ساخر يُطلَق للانتقاص من دولة غير مستقرة سياسياً أو لازدرائها؛ ولا يكون لهذه الدولة أي ثقل سياسي واقتصادي بين دول العالم، ويعتمد اقتصادها على بعض المنتجات الصناعية والزراعية البسيطة "كزراعة الموز" ومحكومة بمجموعة صغيرة ثرية وفاسدة. لا يزال هذا المصطلح يُستخدم وبطريقة مهينة لوصف حكومات بعض البلدان في أميركا الوسطى ومنطقة بحر الكارييبي (جنة الضرائب وتبييض الأموال والشركات الوهمية) ويتسع ليشير الى الكثير من دول أميركا الجنوبية وآسيا وأفريقيا.

صاغ هذا المصطلح في بادئ الأمر الكاتب الأميركي أوليفر هنري في كتابه عن هندوراس المعنون "ملفوف والملوك"، وهو عبارة عن مجموعة قصص قصيرة تجري أحداثها في أميركا الوسطى. أما الاستخدام الحديث للمصطلح فجاء ليصف اي نظام غير مستقر أو ديكتاتوري وخصوصاً عندما تكون الانتخابات فيه مزورة وفاسدة ويكون حاكم النظام خادماً لمصالح خارجية... وربطاً بالمقال السابق "حين تُجرِّب المُجرَّب" وللتأكيد على فساد هذه السلطة وإفلاسها، سأتناول موضوع المحروقات وغيرها من المواد الحياتية الضرورية مسلّطاً الضوء على مسار هذه الأمور في فترة الحرب الأهلية.

شكلت المرافئ غير الشرعية خلال الحرب الاهلية مورداً شهياً لقادة الميليشيات وقوى الأمر الواقع، وازدهرت كذلك "السوق السوداء" محققة لهذه القوى ارباحاً خيالية، فلم تكتفِ الميليشيات بتهريب السلع المستوردة عبر المرافئ غير الشرعية من دون وساطات بل كانت، في الوقت عينه، تصدّر (تهرّب) السلع المدعومة من الدولة أو تتاجر بها كالطحين والأرز والمحروقات والغاز، وقدّرت أرباح 200 من زعماء الميليشيات والموظفين والمستوردين جراء تجارة البنزين وحدها بـ600 مليون دولار أميركي في السنة، وهذا بالطبع على حساب خزينة الدولة التي لم تتمكن من التصدي لمحاولة إلغائها لأنه ومنذ عام 1984 كانت الميليشيات ممثلة في الحكومة عبر قادتها فأكسبها هذا شرعية وقدرة أكبر على الهيمنة على الارض وعلى القطاعات "الاقتصادية" والإفلات من المحاسبة والعقاب.

قدّر ريع الميليشيات وقوى الأمر الواقع من "السوق السوداء" لزعماء الميلشيات والتجار العاملين في حمايتهم بنحو 14.5 مليار دولار من العام 1984 الى 1992، أما أهم مسارب الأرباح فكانت المحروقات والطحين والقمح والإسمنت.

إن دعم الدولة اللبنانية للبنزين والقمح جعل سعر هاتين المادتين متدنياً عن الاسعار العالمية مما شجّع على التهريب الى الخارج، فتمكن "المهربون" من تحقيق ثروات ضخمة على حساب خزينة الدولة مما دفع الحكومة وفي زمن وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة والنفط فيكتور قصير (نيسان 1984- أيلول 1988) إلى رفع الدعم عن هذه المواد معلناً أن "دعم الدولة للقمح يعادل أربعة اخماس سعره الحقيقي واذا علمنا ان الطلب على القمح والبنزين كان يعادل عام 1985 ثلاثة اضعاف حاجة الاستهلاك المحلي لأدركنا على الفور حجم الكميات التي كانت تباع في "السوق السوداء" او تُهرّب الى الخارج وتالياً كانت تذهب الى جيوب الميليشيات وقوى الامر الواقع".

الغاية من هذا العرض التأكيد على أن الطبقة الفاسدة التي تحكمنا اليوم ما هي الا امتداد لما كان سائداً اثناء الحرب الاهلية. ومنذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وطوال كل السنوات السابقة، كنا نطالب بالعدل فأخذوا منا الحرية بالاغتيالات والقتل، وعندما طالبنا بالحرية كان كل ما حصلنا عليه هو سيرك برلماني هزيل أهم خطبائه جبران باسيل مدعوماً من سلطة الأمر الواقع ومن عمه الجنرال الذي يذكرنا بالجنرال الاسباني "نافاريز" الذي عبّر عن قمع الثورة والمعارضة بالقصة المشهورة التي رويت عنه...

جاءه الموت والقسيس بجانبه يصلي له ثم يسأله: "هل غفرت لأعدائك"؟

فزمجر الجنرال الذي يقف على عتبات الموت، وقال: "ليس لي أعداء... لقد قتلتهم جميعاً!"

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us