قراءة خطاب نصر الله التقليدي: مقاربة الخرق السيبراني بشرياً

زياد سامي عيتاني

“لا شك أن ما حدث عدوان كبير وغير مسبوق سيواجه بحساب عسير وقصاص عادل من حيث يحتسبون، ومن حيث لا يحتسبون، وبالنسبة للحساب العسير فالخبر هو في ما سترونه لا في ما ستسمعون ونحتفظ به في أضيق دائرة”. مقطع مقتضب للأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصر الله خلال كلمة استمرت حوالي الساعة، وترافقت مع خرق مقاتلات العدو الاسرائيلي جدار الصوت فوق بيروت وضاحيتها الجنوبية، (للتأكد ما إذا كانت مسجلة أو مباشرة)، في أول إطلالة له بعد “الإعصار السيبراني” الذي تعرض له عناصر الحزب على مدى يومين متتاليين.

استخدامه لأول مرة في كل خطاباته عبارة “أضيق دائرة” استوقفت المراقبين والمحللين، لما تنطوي عليه من معانٍ ودلائل، أقل ما يقال فيها إن ثمة حذر إستثنائي في التخطيط للرد ولتوقيته وتنفيذه، ما يطرح التساؤل عما إذا تمكن الحزب بعدما تحولت أجهزة الـ “بايجر” الى “عبوات ناسفة” من اكتشاف أو “الاعتقاد” كحد أدنى، أنه مخروق بشرياً داخل هيكلياته القيادية العليا والوسطى، كما تبين أنه مخروق “إلكترونياً”، أو أن ثمة “عطب داخلي”، على الرغم من تأكيده “أن التفجيرات الواسعة لم تؤثر على بنية المقاومة وأن جهوزيتها كانت عالية على الأرض توقياً لأي عمل عسكري”.

وما كان لافتاً أيضاً بحجة ما دأب الحزب على تسيمته “الغموض الاستراتيجي”، على الرغم من وصفه لما حدث بأنه “عدوان كبير وغير مسبوق”، أنه لم يعلن عن رد مباشر وفوري لـ “العدوان الكبير”، في وقت كان الجميع لا سيما جمهوره ومحوره يتوقع أن تكون كلمته بمثابة “ساعة الصفر” للرد الذي يلائم العدوان بحجمه ونوعيته ومخلفاته وتداعياته، مبقياً الرد “مؤجلاً” ليس بهدف التخطيط له ليشكل “تعادلاً بالنيران”، بل لمتابعة الإتصالات والوقائع الديبلوماسية والسياسية، فضلاً عن التطورات الميدانية العسكرية مع تصاعد وتيرتها بصورة متسارعة، بحجة عدم الانزلاق الى الحرب الموسعة التي لا يرغب فيها ولا قدرة له على تحمل تداعياتها الداخلية، في الوقت الذي يراهن رئيس حكومة العدو على “دعسة ناقصة” من الحزب، لتكون ذريعة له لشن تلك الحرب التي لا يزال يهدد بها ويسعى إليها، مركزاً على الحرب البرية، من دون التعاطي مع التحول الجذري باعتماد اسرائيل الجيل الخامس.

وإستعاضة عن الاعلان عن الرد “المنتظر”، وفي محاولة “إلتفافية” إسترسل في نقطتين تتعلقان بفصل جبهة الجنوب عن الحرب على غزة، وإحباط ما أسماه بالهدف الاسرائيلي الرابع المتمثل في العودة الآمنة للمستوطنين الاسرائيليين الى شمال الكيان الاسرائيلي.

بالنسبة الى النقطة الأولى، خاطب نصر الله الحكومة الاسرائيلية وجيشها قائلاً: “جبهة لبنان لن تتوقف قبل وقف الحرب على غزة”، مضيفاً: “رغم التضحيات والشهداء ورغم كل العواقب فلن تتوقف المقاومة عن مساعدة أهل غزة والضفة”. واعتبر أن “تمسك المقاومة بكل مواقفها ومساندتها لغزة يعني أن العدو الاسرائيلي لم يحقق أهدافه، كما أن المعنويات العالية للمصابين وصبر تماسك بيئة المقاومة يعني أن العدو فشل في تحقيق هدفه بضربها وإنهاكها وإضعافها عبر التفجيرات الواسعة كي تضغط على قيادة المقاومة”. وتأكيد الإلتزام بالإبقاء على جبهة “المشاغلة”، يفكك بأقل من ٤٨ ساعة ما إعتبره التضامن والتعاطف اللبناني، الذي أبقاه حصراً ضمن الإطار الإنساني والأخلاقي، من دون توظيفه وإستثماره سياسياً، بتجديد تأكيد المؤكد أن قرار الحرب والسلم بيده، ليعيد الإنقسام العمودي والشرخ السياسي إلى ما كان عليه قبل ثلاثة أيام، وكأن وظيفة الشعب اللبناني يجب أن تخرج عن الرضوخ والإذعان لانفراده بالقرارات المصيرية، إلا في حالات التضامن والتعاطف الإنساني “غب الطلب”.

أما بالنسبة الى النقطة الثانية، فخاطب رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت بالقول: “لن تستطيعوا إعادة السكان إلى الشمال وهذا هو التحدي بيننا”، مؤكداً أن “السبيل الوحيد لإعادة السكان إلى مناطقهم هو وقف العدوان على غزة وعلى الضفة الغربية”. وأضاف: “ما ستقدمون عليه من تصعيد سيبعد فرصة عودة أولئك السكان إلى الشمال بل العكس ما سيحدث”.

المفاجأة الكبرى في خطابه الذي لم يخرج عن الخطابات التقليدية (هدف الى شد عصب جمهوره والتأكيد أن “هذه الضربة الكبيرة والقوية لم تسقطنا ولن تسقطنا، وأن الحرب سجال، يوم لك ويوم عليك”)، على الرغم من أن الحدث منقطع النظير وبالغ الخطورة في إستهدافاته، أنه تعاطى مع تداعياته على أنه كما أسماه “مجزرة”، من دون مقاربته من زاوية الخرق الأمني الهائل الذي تعرض له الحزب بكل ما نتج عنه من نتائج وتأثيرات وعواقب ضربت منظومته العسكرية والأمنية في الصميم، فضلاً عن الإصابات البشرية الخطيرة التي طالت حوالي ثلاثة آلاف من عناصره وكوادره، بحيث قال حرفياً: “ان إسرائيل كانت ترغب من خلال العمليتين قتل ما يقارب 5 آلاف إنسان في دقيقتين”، واصفاً ذلك بأنه “عملية إرهابية كبرى، وإبادة جماعية، ومجزرة، وإعلان حرب”. وأوضح أن “الحزب سيتبنى مصطلح مجزرتي الثلاثاء والأربعاء”.

شارك المقال