التمرد على التمرد

عبد المنعم مصطفى

لم أكن محافظاً في أي وقت عبر سنوات عمري الممتدة، كنت أعتبر أن التزام التوجه المحافظ يقصف أعمارنا، ويبلغ بنا محطات النهاية قبل الأوان، وأن التجديد هو شهيق الحياة وزفيرها، لا بد اذن من هواء جديد نستنشقه طول الوقت حتى نعيش، لكننا لا نعيش بآلية التنفس وحدها، وانما بآليات الإبداع، والابتكار، والتجديد، وكان التمرد في ظني وما يزال أحد أهم شروط التجديد والابتكار، وكنت بهذا المعنى أقدس التمرد، وأعتبر أن أسئلته التي يستهجنها البعض، حيوية، ليس من أجل التجديد والتقدم فحسب وانما ايضاً من أجل مجرد البقاء.

بسبب التمرد، حرمني أستاذ الفلسفة بمدرسة روض الفرج الثانوية، من حضور حصته، بعدما دخل الفصل ليجد عبارة مستفزة على السبورة، تقول بين قوسين “إذا دعتك قدرتك الى ظلم الطلبة، فتذكر قدرة زوجتك عليك”! والى جانب العبارة المستفزة لكبرياء الأستاذ المغرور، كان هناك رسم كاريكاتوري لوجه هندي ذي لحية يعتمر عمامة السيخ الشهيرة.

كان الأستاذ ميشيل رجل ربعة، ذا وجه أبيض مشرّب بالحمرة، وعينين خضراوين تشعان بالشقاوة، وبروح دعابة تفيض بثقة زائدة، أفسحت أمام صاحبها المجال للتحدث بجرأة فيما هو مسكوت عنه آنذاك (عام ١٩٦٨) من قضايا المرأه والجنس، والنكات الشائعة بعد هزيمة يونيو (حزيران)، والتي عكست تشاغل شعب مهزوم، عن مشاعر الانسحاق والإحباط، بإنتاج ما يسري عنه، من دعابات الجنس الرخيصة، والموغلة في الإسفاف أحياناً.

في الصف الأول من مقاعد درس الفلسفة، كان يجلس صديقنا سعد محمد بيومي فراج، ويضع جانباً عصاً كان يتوكأ عليها، إثر تعافيه من مرض ألم به مطلع العام الدراسي، حتى أن والده كان يحمله كل يوم ليضعه في مقعده بالصف الأول، ثم يعود في نهاية اليوم الدراسي ليحمله مجدداً الى البيت.

عصا زميلنا سعد، كانت أول ما تمتد اليه يد الأستاذ ميشيل لدى دخوله الفصل، فيظل ممسكاً بها، يتوكأ عليها بكلتي يديه أحياناً، فيما يطالع بعينيه الخضراوين عين أحد تلاميذه قبل أن يفاجئه بسؤال من عينة: تعرف إيه عن المنطق؟ أو: قف يا فلان ليرى زملاءك كيف يكون الإسقاط في علم النفس!

كان الأستاذ ميشيل يرى نفسه خليفة فرويد في التحليل النفسي! وكان يبدي استهانة واستخفافاً حتى بأسماء أساتذة ظهرت على غلاف كتاب علم النفس أو الفلسفة، الذي قررته وزارة التربية والتعليم لطلاب الثانوية العامة، وقد نصحنا في بداية العام الدراسي بإلقاء كتب الوزارة في سلة القمامة، والالتفات فقط الى ما يقوله هو.

صدقنا جميعنا الأستاذ ميشيل، ولم نفتح كتب الوزارة، متأثرين بروح الدعابة عند الرجل، الذي اعتمد على غوايتنا بأحاديثه الجريئة في موضوعات وقضايا يتعلق أغلبها بالجنس وتستقطب بطبيعتها شباباً لم يغادر بعد طور المراهقة، في مجتمع لم يكن قد عرف التزمت بعد، لكنه كان محافظاً بطبعه، الى أن قادني الفراغ ذات ليلة الى قراءة ما تيسر من كتب الوزارة في الفلسفة وعلم النفس، وهالني ما وجدت، فالأستاذ ميشيل الذي كان يدرس هذه المواد لطلابه على مدى ما يقرب من ربع قرن، قد تحوّل بالتكرار الى آلة حفظ صماء لما اشتملت عليه تلك الكتب التي نصحنا بإلقائها في أقرب سلة مهملات!

كنت أحب روح ميشيل المشاكسة، لكنني كنت أكره استخفافه ببعض رقيقي الحال من الزملاء، الذي يختبئون في الصف الأخير من مقاعد الدرس، ليخفي بعضهم رقة حال ثيابه، أو قصوره عن التحصيل الدراسي.

التقط الأستاذ ميشيل عصا زميلنا سعد، كالمعتاد فور دخوله الفصل، ووضع إبهام يده اليسرى في جيب الصديري، بثقة زائدة، والتفت الى السبورة، متأهباً كعادته في كل مرة، لاستدعاء الأطول قامة في الصف الأخير لمسح السبورة، لكنه توقف فجأة حين وجد العبارة التي كتبها صديق من القسم العلمي جاء لزيارتي بالفصل قبل بدء الحصة، ممهورة برسم لوجه هندي يعتمر عمامة السيخ الشهيرة. لوّح ميشيل بعصا سعد مشيراً الى العبارة الشهيرة، وقال متهكماً: “الله، الله.. من الشجاع الذي كتب هذه العبارة الجميلة؟”. ران صمت ثقيل على الفصل. كرر الأستاذ ميشيل عبارته السابقة ضاغطاً بشدة على كل حروفها، وأضاف: “من كتب هذه العبارة، عليه أن يتحلى بشجاعة أدبية وأن يعلن عن نفسه”. نظرت حولي، وأوشكت على النهوض لأبلغه بأنني أنا من كتبتها، لكن زميلي في المقعد المجاور، أمسك بثيابي ليمنعني من النهوض والكلام.

مرت دقائق ثقيلة، قبل أن ينهض طويل القامة، ماسح السبورة، من مقعده في الصف الأخير، وأظن أنه كان يدعى دويدار، ليشير بسبابته الى مقعدي، قائلاً: “عبد المنعم يا أستاذ!”.

كان دويدار لا يقصد باعترافه الاساءة الي، لكن سخونة الأجواء وثقل لحظات تشكك الأستاذ في شاغلي مقاعد الصف الأخير، حملته على الوشاية المبكرة بأحد زملائه.

بدا الأستاذ ميشيل مصدوماً، اتسعت حدقتاه، وأشار اليّ بعصا سعد قائلاً بدهشة: “أنت؟! لا أكاد أصدق، لقد خدعتني، كنت أظنك من المجتهدين النابهين، لكنني مصدوم”. ثم استطرد: “عموماً تعال هنا”، وأشار بعصا سعد الى موضع بجواره في مواجهة الطلاب. غادرت مقعدي، ووقفت بجواره، وضع يده على كتفي، وقال محدثاً طلابه: “الآن سأريكم تطبيقاً عملياً في الإسقاط بعلم النفس”. وبدأ يسألني عن أصلي ومنشأي وأسرتي، قبل أن أقاطعه محذراً إياه من مغبة تطاول لن تحمد عقباه.

ازدادت دهشة الرجل، لكنه لاحظ في وجهي علامات إصرار وعناد، فقرر أن يختصر المشهد كله بعبارة واحدة: انت ممنوع من حضور جميع حصصي حتى نهاية السنة.

غادرت الفصل متجهاً الى ملعب كرة القدم في موضع قصي عن المبنى المدرسي، وبانتهاء الحصة لحق بي زميلي حسين البنهاوي (الدكتور حسين البنهاوي بالهيئة العامة للكتاب لاحقاً) وألح علي في التدخل للمصالحة بيني وبين الأستاذ ميشيل.

وافقت بالطبع، واتفقنا معاً على خطة المصالحة، فقد كان الأستاذ ميشيل، وهو ذو خلفية صعيدية ربما تعود بجذوره الى أسيوط، يحدثنا عما يقول انه مجلس العائلة الذي يدعم أعضاءها ويحاسبهم أيضاً.

اتفقت وحسين البنهاوي على أن يبلغ هو الأستاذ ميشيل، أنني صعيدي مثله وأن مجلس عائلتي قد يقسو علي بالحساب، ما قد ينعكس سلباً على مستقبلي كله. ابتلع الأستاذ ميشيل حكاية مجلس العائلة المزعوم، أو ربما تظاهر بابتلاعها بشرط أن أذهب اليه في غرفة المدرسين لتقديم الاعتذار، وهو ما حدث بالفعل، فقد أنهيت نوبة التمرد بنوبة رجوع.

التمرد، والتمرد المضاد، صاحباني في أعوام الصبا، وميعة الشباب بصفة خاصة، وعلى الرغم من مزاج متمرد ولد معي وراح يكبر كلما كبرت، الا أنني كنت متحفظاً بوضوح، مثلاً (وهذا نموذج لما أسميه بالتمرد المضاد، أو بالتمرد على التمرد)، في الانتقال الى موضة البنطلونات الشارلستون، التي ظهرت لأول مرة، مع التحاقي بالجامعة، وطالت معها شعور الشباب وارتفعت كعوب أحذيتهم الجلدية ذات البوز الطويل المربع أحياناً والمدبب في أغلب الأحيان.

حين رأى أبي موضة الشارلستون تدخل بيتنا مع بنطلونات أخي الأكبر، أبدى استياءه منها، لكنه اعترف لنا بأنه هو نفسه قد ارتداها حين غزت القاهرة لأول مرة في ثلاثينيات القرن الماضي، وأن شباب الثلاثينيات كانوا يحتفون بأناقتهم، وبتسريحات خاصة لشعورهم، تشبه شعر كلارك غيبل في فيلم “ذهب مع الريح”، والتي حاكاها شكري سرحان لاحقاً في بعض أفلامه.

أمضيت أعوام دراستي الجامعية، وأنا متحفظ في ارتداء ثياب شبابية مثل بنطلونات الشارلستون التي تنتهي فيها سيقان البنطلونات باتساع كبير (حوالي ٣٥ سنتيمتراً) بعد ضيق ملحوظ عند الفخذين. وحين استسلمت لدواعي التغيير، كنت أوصي الترزي، بأن يكتفي بجعل اتساع الساق عند نهايتها ٢٥سنتيمتراً فقط.

بدايات خجولة للتغييرات التي تتعلق بالمظهر الخارجي العام، لم تكن تفصح بشجاعة كافية عن حجم التمرد داخلي على كل ما هو تقليدي، كان إعجابي الشديد بطه حسين الذي أعتبره أرشد من تمردوا فكرياً من العرب المحدثين، يسوقني الى اخضاع كل ما أراه من ظواهر، أو أستمع اليه من آراء، للمناقشة الجريئة، من دون تحفظات كبيرة. لكنني لم أكن متمرداً على المستوى ذاته أو بالدرجة نفسها في ما يتعلق بالمظهر الخارجي، فلم أندفع باتجاه الموضة مثلاً سواء في الأزياء، أو في تصفيف الشعر وفي استخدام مجفف الشعر (السيشوار) الذي شاع استخدامه بين شباب جيلي. وحين اضطررت لذلك، فعلته على استحياء. كان ظاهري في الملبس يبدي تحفظاً التزمت معه بارتداء البذلة الكاملة مع ربطة العنق المناسبة، وكنت أفضل السترات ذات الصفين وتحتها صديري اقتنيت لأجله ساعة بكاتينة، تشبه تلك التي رأيت عمي الأكبر يضعها بجيب الصديري خاصته، وتتدلى منها سلسلة أنيقة، لكن باطني على مستوى الفكر ظل متمرداً ينشد الانعتاق، وما يزال، حتى أنني أرى التمرد أكثر لغات الحياة فصاحة.

تمردت أذناي على تمرد الغناء والموسيقى على الهزيمة بعد يونيو ١٩٦٧، كانت الموسيقى والغناء بعد هزيمة يونيو، قد شهدا انحداراً قادهما الى محطات مثل “الطشت قاللي” و”العتبة جزاز”، كذلك بدت السينما مهزومة مثل صلاح جاهين تماماً، الذي انتقل من شاعر الثورة، الى شاعر “خللي بالك من زوزو”، أو “بوسة ونغمض ويللا…. نلقى حتى الضلمة بمبي”! كان جاهين قد توصل الى قناعة بعد الهزيمة بأن القبلات هي من تستطيع أن تبدد ظلام النكسة وأن تجعل الحياة لونها بمبي وأنا جنبك وانت جنبي.

تمردت أذني على الهزيمة، ورفضت ما استجد بحلول السبعينيات في فن الموسيقى والغناء، فلم أكن متحمساً لفن أنتجته أمة ذاقت مرارة الهزيمة في يونيو ١٩٦٧، حتى أصبحت موسيقاه أقرب الى حفلات للزار يسعى روادها الى طرد الأرواح الشريرة.

شارك المقال