وزراء المملكة يتحدثون عن ملوكها وقادتها

لبنان الكبير

بمناسبة احتفال المملكة العربية السعودية بيومها الوطني، رصد موقع “لبنان الكبير” أهم شهادات الوزراء السعوديين عن ملوك المملكة وقياداتها.

الملك فيصل

في التسعينيات الميلادية، في برنامج “على الهواء” – شبكة أوربت، سأل الإعلامي المصري عماد الدين أديب وزير النفط السعودي الأسبق أحمد زكي يماني (1930 – 2021) عن الملك فيصل بن عبدالعزيز، فأجاب يماني: أب ومعلم وصاحب فضل، أغدق علي بالعطاء وهذا سبب ثروتي، ومنحني ثقته، ومنحته إخلاصي وحبي. أنا لا أشك بأنه من أهم شخصيات القرن العشرين. وكانت آخر كلمة اختتم بها حياته: “الله.. الله”.

وزير النفط السعودي الأسبق أحمد زكي يماني

الملك خالد

وفي كتابه “حياة في الإدارة” يتحدث الوزير السعودي الأسبق د. غازي القصيبي (1940 – 2010) الذي تولى حقائب وزارية متعددة في عهود متعاقبة عن الملك خالد بن عبدالعزيز:

في أول اجتماع لمجلس الوزراء بتشكيلته الجديدة سنة 1395هـ (1975م) كان الملك خالد – رحمه الله – يرأس الجلسة، لا أزال حتى اليوم أذكر بوضوح العبارة التي استهل بها حديثه إلى الوزراء الجدد: “اهتموا بالضعفاء، أما الأقوياء فهم قادرون على الاهتمام بأنفسهم”. هذه العبارة الموجزة تصلح في رأيي مفتاحاً يمكننا من الدخول إلى عالم خالد بن عبد العزيز الإِنسان، وخالد بن عبد العزيز الملك.

الوزير السعودي الأسبق د. غازي القصيبي

صراحة العبارة تعكس الصراحة النادرة التي كانت تميز خالداً الإِنسان، كان لا يكره شيئاً بقدر ما يكره الإجابات الملتوية، وكان لا يرتاح إلى إِنسان يعتقد أنه يظهر غير ما يبطن، كم كنت أشعر بالرثاء للذين كانوا يعتقدون أنهم عن طريق المجاملة والتزلف يقتربون منه، لم يكونوا يضيّعون أوقاتهم فحسب، بل كانوا يوجدون لديه انطباعاً أبعد ما يكون عن الانطباع الذي أرادوا إيجاده، وبساطة العبارة تدل على العفوية الآسرة التي لمسها كل من تعامل مع خالد الإِنسان، كان أبعد الناس عن التكلف والتصنع، وكان المتكلفون والمتصنعون بفئاتهم وأنواعهم، أبعد الناس عن قلبه، كان يكن نفوراً شديداً للمغرورين، إذا قال عن أحد إنه “نافخ روحه” كان لك أن تستنتج أنه لا يكن لهذا الشخص أي احترام.

والعبارة الموجزة ذاتها تظهر لنا بجلاء فلسفة خالد الإِنسان، أهم مسؤوليات الحاكم على الإطلاق، إقامة العدالة وإنصاف المظلوم، نستطيع بلا عناء تفهم كل تصرفاته في الفترة التي مارس خلالها أعباء الحكم، كان حريصاً على أن يلتقي بالمواطنين كل يوم، وأن يستمع بنفسه إلى شكاواهم، حتى عندما وهنت صحته في العامين الأخيرين من حياته، وتعذر اللقاء اليومي أصر على تخصيص يوم في الأسبوع لمقابلة الناس، رأيته أكثر من مرة يوقف السيارة عند مدخل الديوان، ليأخذ بيده رسالة من امرأة واقفة عند المدخل. أخبرني مرة أن قصره يمتلئ، كل ليلة بالنساء المراجعات وأنه يحرص على قراءة كل عريضة بنفسه، في المرات القليلة التي رأيته فيها غاضباً، كان سبب الغضب هو شعوره أن مظلمة وقعت على أحد.

هذا الحس العميق بالعدالة يمكننا من فهم كل القرارات التي اتخذها في الخارج والداخل، كانت مناصرته للفلسطينيين تنبع من اعتقاد راسخ بأن ظلماً فادحاً وقع بهم، ظلماً يتعين عليه أن يبذل كل جهده لإزالته، وكان موقفه من قضية أفغانستان ينبع من المنطق نفسه: لا بد من دعم شعب مظلوم اجتيحت أرضه بغياً وعدواناً. والنظرة نفسها كانت تحكم موقفه من كشمير، لم تكن هناك حسابات ربح وخسارة في موقفه من القضايا الإسلامية، كان أي حيف يقع بالمسلمين في أي مكان من العالم يمس مشاعره على نحو لا يمكن لمن لم يشاهده أن يتصوره، كثيراً ما رأيت الدموع تترقرق في عينيه وهو يستمع إلى أنباء كارثة ألمت بالمسلمين في هذا الصقع أو ذاك.

لا أبالغ إذا قلت: إنه لم يكن هناك فرق يذكر، في نظره بين المواطنين وبقية المسلمين: السعوديون مسلمون، والمسلمون يجب أن يعاملوا معاملة السعوديين، لم أرَ الملك خالد سعيداً كما رأيته يوم انعقدت القمة الإسلامية برعايته في مكة المكرمة، ولم أره شقياً كما رأيته يوم احتلت مجموعة من الغلاة الحرم المكي الشريف، لم يكن للسياسة بمعناها التقليدي أي علاقة بالفرح أو بالتعاسة، كانت سعادته نابعة من شعور المسلم الفطري بالفرح، وهو يرى شمل المسلمين يلتئم وكأن ألمه نابع من نفور المسلم الفطري من أي عمل ينتهك حرمة المسجد الحرام.

الإسلام في نظر الملك خالد يمثل نقطة البداية ونقطة النهاية، كان يؤمن إيماناً راسخاً بأن الدولة السعودية تستمد شرعيتها من الإسلام، وتستمدها من الإسلام وحده، وكان يعتقد أن هذه الشرعية ستبقى ما بقيت الدولة متمسكة بالإسلام، وأذكر في هذا الصدد حواراً دار بينه وبين جلالة إمبراطور اليابان (آنذاك)، وكان وقتها ولياً للعهد يزور المملكة زيارة رسمية، قال ولي عهد اليابان: أرجو أن يحدثني جلالتكم عن تاريخ أسرتكم المقدسة. ورد الملك خالد على الفور: “أسرتي ليست مقدسة، أسرتي لا تختلف عن بقية الأسر، وقد أعزها الله عندما تبنت دعوة الإسلام”. وأذكر حواراً مماثلاً بينه وبين الرئيس الفرنسي (فاليري جيسكار) ديستان الذي سأله عن تاريخ المملكة السياسي؟ قال الملك: “لم نحقق شيئاً بالسياسة، كل ما تحقق بفضل الإسلام، بدون الإسلام نحن لا شيء”.

هذا الحرص على الشريعة الإسلامية يقودنا إلى فهم الأولوية الكبيرة التي كان يعلقها على موضوع الأمن: لا يمكن للاستقرار أن يدوم إلا إذا أمن الضعفاء شر الأشرار، كان يتابع شخصياً أخبار كل جناية قتل ترتكب، ولا يهدأ له بال إلا إذا عرف أن المجرمين قد تم القبض عليهم، لم أره يثور في وجه مراجعين إلا مرة واحدة: كان المراجعون يطلبون منه العفو عن مجرم أدانته المحكمة، كان الملك خالد بطبعه رجلاً عطوفاً رحيماً إلا أن إنفاذ الحدود الشرعية كان عنده فريضة دينية تعلو على أي اعتبار آخر.

وإذا كان الحس الإسلامي يمثل المنطلق الأساسي لقرارات الملك خالد الخارجية والداخلية، فإنَّ العروبة كانت بالنسبة اليه جزءاً لا يتجزأ من وجوده، شيئاً لصيقاً بالهوية لا يحتاج إلى تنظير أو تفسير أو تبرير، لم تكن نظرته إلى العروبة تختلف عن نظرة القائد الموحد جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله.

يروي أمين الريحاني أنه كان يكلم الملك عبد العزيز عن العرب، عندما كرر الريحاني كلمة العرب قاطعه الملك عبد العزيز: “العرب؟ حنا العرب”! في لقاء للملك خالد مع مسؤول عربي أخذ هذا المسؤول يتحدث عن الواجبات القومية العربية على نحو كاد يتخذ شكل المحاضرة، قاطعه الملك خالد وقال: “نحن لا نحتاج إلى دروس في العروبة من أحد، نحن العرب الحقيقيون”.

وإذا كانت للملك خالد كما رأينا فلسفة واضحة للحكم، جوهرها الانتصاف للمظلوم، فقد كانت له فلسفة إدارية واضحة مدارها التفويض وتجنب الدخول في الجزئيات. بمجرد توليه الملك أصدر أمراً فوّض بموجبه ولي العهد الأمير فهد بن عبد العزيز بإدارة كل شؤون الدولة، كانت العلاقة بين الملك وولي العهد نموذجية مشوبة بكثير من الحب والاحترام المتبادلين، كان ولي العهد حريصاً على ألا يتم شيء ذو بال إلا بعلم الملك وموافقته، وكان حريصاً على أن ينسب إلى الملك وحده الفضل في كل إنجاز تنموي يتحقق، وكان في الوقت نفسه يسعى إلى تجنيب الملك أعباء الإدارة اليومية، من جانبه لم يتخذ الملك أي قرار مهم إلا بعد استشارة ولي العهد.

كانت توجيهات الأمير فهد للوزراء واضحة: أبلغوا الملك بكل الأمور الأساسية، ولكن لا تثقلوا عليه بالتفاصيل. وكان الملك خالد بطبعه لا يميل إلى التعامل مع قرارات يومية، خصوصاً عندما تكون ذات طبيعة فنية، كان يردد دائماً: “الوزراء أدرى بعملهم”. خلال اجتماعه مع رؤساء الدول الأجنبية ضيفاً أو مضيفاً، كان يتجنب اتخاذ قرارات فورية في أي موضوع يطرح للبحث، كان يقول: “ليجتمع الوزراء المعنيون أولاً، ثم نرى ما ينتهون إليه”.

كان للبيروقراطيين نصيب وافر من تعليقات الملك خالد العفوية الصريحة؛ قال مرة: “الوزراء يرفضون على الفور أي دعوة تجيئهم من الحبشة أو الصومال أو بنغلاديش، أما إذا وصلت الدعوة من أميركا أو بريطانيا أو فرنسا فما أسرع ما يبرقون مقترحين قبول الدعوة”. وقال مرة: “المسؤولون يرددون في كل مناسبة: تعبنا من العمل ونريد الراحة، حتى إذا أعفي الواحد منهم من منصبه أنّ أنين الناقة التي فقدت صغارها”.

وكثيراً ما سمعته يتندر من العقلية البيروقراطية التي تصر على أن تكتب “سري جداً” على أشياء أبعد ما تكون عن السرية. قال مرة: “لم أرَ أعجب من هؤلاء الناس، يجمعون أشياء سبق أن نشرت في الصحف وأذيعت من الإذاعات ويعدّونها أسراراً”.

ولم أخل أنا من نصيبي من هذه التعليقات، في بداية تكليفي بوزارة الصناعة والكهرباء أدليت بتصريح قلت فيه: إن إصلاح الخدمات الكهربائية على نحو جذري شامل يحتاج إلى مدة زمنية لا تقل عن خمس سنوات. عندما رأيت الملك بادرني: “أعرف الهدف الحقيقي من التصريح، تريد أن تضمن لنفسك خمس سنوات في الوزارة”.

هذا البعد عن القرارات اليومية لم يكن يقطعه إلا شعوره بأن “الضعفاء” الذين كان يُعدُّ نفسه نصيرهم الأول، في حاجة إلى تدخله، في هذه الحالات وحدها كان يحرص على أن يتلقى من الوزير المعني كل التفاصيل، وكانت هذه الحالات في مجملها تتعلق بحقوق من نوع أو آخر في ذمة الدولة للمواطنين، سواء كانت معونات أو قروضاً أو تعويضات، كان إيصال الخدمات العامة إلى المناطق النائية المحرومة منها أمراً من الأمور التي تستأثر باهتمامه، كان سروره بالغاً عندما يخبره الوزير المختص بأن الهاتف وصل إلى تلك القرية، أو أن الكهرباء دخلت هذه الهجرة، أو أن مستشفي افتتح في هذه المدينة.

الذين عرفوا خالد بن عبد العزيز قبل الملك وعرفوه بعده يجمعون على أنه لم يتغير بعد الملك على الإطلاق، ويجمعون على أنه تغير بعده تغيراً كبيراً، هذه الإشكالية تتضح عندما نذكر أن الإِنسان لم يتغير قيد شعرة، إلا أن الملك ألقى على كاهل الإِنسان مسؤوليات ضخمة تقبلها بجدية مطلقة، لم يتغير شيء في الإِنسان العفوي البسيط الصريح المتواضع، إلا أن هذا الإِنسان تقبل أعباء الملك الكثيرة، وتقبلها على علاتها.

الرجل الذي لم يقم بزيارة رسمية واحدة خلال عقد من الزمان تولى أثناءه ولاية العهد وجد نفسه بعد الملك مشغولاً بزيارة رسمية بعد أخرى، ضيفاً ومضيفاً. الرجل الذي كان قليل الجلد على الأوراق والتقارير وجد نفسه بعد الملك يقضي الكثير من الوقت مع الأوراق والتقارير. الرجل الذي لم تستهوه المباحثات والمفاوضات وجد نفسه بعد الملك في غمار المباحثات والمفاوضات، حتى عندما أخذت صحته تتدهور ظل حريصاً على أن يقوم بكل الواجبات الرسمية التي يفرضها منصب رئيس الدولة، سمعته مرة يقول: “لا ينبغي لإِنسان عاقل أن يطلب الحكم، ولا ينبغي لإِنسان عاقل يجيئه الحكم أن يفرط في تبعاته”.

كان خلال قيامه بالواجبات الرسمية حريصاً على أن يقوم بها على نحو لا يزعج الآخرين (الناس) حسب تعبيره، كان قبل كل زيارة رسمية يقوم بها يطلب من المراسم الملكية أن ترتبها على نحو يتلاءم مع ظروف المضيفين قبل ظروفه هو، وكان عندما يعود إلى المملكة يحرص على العودة في وقت يريح (الناس) المستقبلين، حتى إذا تطلب هذا موعداً غير مريح للإقلاع.

اقتضت ظروف العمل الوزاري ومتطلباته التواصل المباشر مع الملك خالد على مدى سبع سنوات، إلا أنني عندما أفكر فيه الآن، بعد مرور هذه السنين على وفاته، لا أفكر في العمل وظروفه ومتطلباته، أجد أفكاري كلها منصبة على تلك اللمسات الإِنسانية الثرية التي لاحظها كل من تعامل شخصياً مع الملك خالد، هذه اللمسات التي جعلت منه رجلاً يسهل على من يراه أن يحبه، ويصعب إن لم يستحل أن يكرهه.

كان من المقرر أن أرافق الملك خالد في زيارة رسمية إلى دول الخليج إلا أن إرادة الله شاءت أن يموت أبي، رحمه الله، قبل بدء الزيارة، بدلاً من مرافقة الملك إلى الكويت التي استهل بها الزيارة اضطررت إلى السفر مباشرة إلى البحرين، حيث توفي أبي لحضور الدفن والعزاء، كنت في مطار البحرين ضمن مستقبلي الملك القادم من الكويت، رغم الازدحام والمراسم كان عزاؤه أكثر من مؤثر. قال: “كنت أعد مفاجأة، كنت أنوي الانتقال من المطار إلى بيت والدك مباشرة، كنت أنوي أن أزوره قبل أي عمل آخر أقوم به في البحرين، ولكن لا راد لقضاء الله”.

تركت لفتة الوفاء الحانية هذه نحو أبي في نفسي أثراً لا يمحى على الأيام، من ناحية أخرى كان تعامله الأبوي مع ابني سهيل تجربة لا تنسى، أصر سهيل وكان وقتها في الثامنة على أن أصطحبه لزيارة الملك. كان الملك في جدة، وذهبت إليه في قصره أهنئه بالعيد، وأخذت سهيلاً معي، كان الملك خالد يحب الأطفال حباً جماً ويعرف كيف يتعامل معهم، كان يقص علينا كل يوم قصة طريفة جديدة عن أحفاده، عندما سلم عليه سهيل قبَّله ثم تجاهله نهائياً بضع دقائق، وعندما شعر أن سهيلاً تمكن من استرداد روعه والشعور بالاطمئنان بدأ يحاوره عن المدرسة والدروس، ثم قال له: “ماذا تريد أن تشرب”؟ قال سهيل على الفور: “بيبسي”! كنا في الصباح، وسأله الملك: “ألا تريد شاياً”؟ قال سهيل: “لا”. عاد الملك يسأل: “ألا تحب الشاي”؟ ورد سهيل: “أحب الشاي ولكني أريد بيبسي الآن”. أمر الملك خالد بإحضار الـ “بيبسي”، سرعان ما تبيّن أن القصر يحتوي على عدة أنواع من المرطبات ليس من بينها الـ”بيبسي”. عاد الملك يسأل سهيلاً: “هل تريد سفن أب”؟ ورد سهيل: “أريد بيبسي”! سأله الملك: “ألا تريد عصير البرتقال”؟، وأجاب سهيل: “أريد بيبسي”. فشلت كل نظراتي وحركاتي في جعل سهيل يغيّر موقفه، ضحك الملك وأمر بإحضار الـ “بيبسي” من خارج القصر. ذهبت سيارة وعادت بعد حين بالـ “بيبسي” من متجر في الحي، كان سرور الملك بحضور الـ “بيبسي” أعظم بكثير من سرور ضيفه الصغير. عندما غادرنا القصر كنت أوشك أن أوبخ سهيلاً عندما تذكرت الحكمة التي تقول: “لا تكن ملكياً أكثر من الملك”. لم يشعر الملك بأي حرج، حقيقة الأمر أنه كان معجباً بثبات ضيفه الصغير على موقفه، فلا مبرر لأن أشعر أنا بالحرج.

ذات يوم، في مجلس الملك خالد بالرياض، تطرق الحديث إلى الضب، قلت: “لا أعرف كيف يستطيع أحد أن يأكل حيواناً ينتمي إلى فصيلة الزواحف ولا يكاد شكله يختلف عن التمساح”، استمع الملك باستغراب ولم يقل شيئاً. بعد هذه الحادثة بعدة أسابيع كنت أزوره في مخيمه وهو في المقناص، على مائدة العشاء وجدت أمامي طبقاً حرص الملك على أن أتذوقه، كان الطعام الذي يحتويه الطبق لذيذاً وسرعان ما أتيت عليه، سألني الملك: “هل أعجبك”؟ قلت: “جداً”، قال: “هل تعرف ما هو”؟ قلت: “طعام بحري، أعتقد أنه لوبستر”. ضحك الملك وقال: “لوبستر في البر؟! هذا لحم الضب الذي يشبه التمساح، والذي كنت تستغرب كيف يمكن لأحد أن يأكله”.

بعدها كنت أرجو الملك قبل كل زيارة أن يكون طبق الضب ضمن أطباق المائدة، في النهاية قال لي: “ليتني لم أدلك على لحم الضب، أنت تتمتع به وأنا أعاني في الحصول عليه من أجلك”، أهم من الوجبات اللذيذة كان الدرس الذي لا ينسى: لا تذم شيئاً تجهله.

لم يكن الملك خالد يشعر بالسعادة الحقيقية إلا أثناء المقناص، في أعماق الصحراء بعيداً عن الهموم والرسميات، كان يصحو قبيل الفجر، ويقطع النهار كله في القنص، ولا يعود إلا مع الغروب، كان يقطع في اليوم الواحد أحياناً أكثر من مائتي كيلومتر، في مناطق صعبة مليئة بالتلال والرمال، ومع ذلك لم يكن يحس بأي عناء، في الخيم ونيران الموقد تبدد برد الليل، وفناجين القهوة تدار، كان خالد الإِنسان ينطلق على سجيته مع إخوانه وخاصته في مسامرات رائعة لا يمكن لمن حضرها أن ينساها مهما امتد به العمر.

والحديث عن المقناص يقودني إلى الحديث عن هوايات الملك الأخرى؛ الهوايات، التي تحولت من دون قصد منه أو تخطيط إلى نتائج تنموية غاية في الإيجابية، الناس هكذا في كل زمان ومكان على دين ملوكهم، وسرعان ما أصبحت هوايات الملك هوايات مجموعة متزايدة من المواطنين، اهتمام الملك بتربية الإبل أدَّى إلى انتشار اقتناء الإبل في كل مكان، ولعه بالخيل سرعان ما جعل من الفروسية هواية الكثيرين المفضلة، اهتمامه بالزراعة وبالنخيل بالذات حوّل أعداداً كبيرة من الناس إلى مزارعين، والجهود التي بذلها لجمع قطيع من المهاة العربية المنقرضة، الوضيحي، كانت نواة الجهد المنظم الذي بدأته الدولة لحماية الحياة الفطرية.

الملك فهد

وفي الكتاب نفسه يضيف غازي القصيبي عن الملك فهد بن عبدالعزيز:

كنت قد رأيت الأمير (الملك) فهد بن عبد العزيز في الستينيات الميلادية (الثمانينيات الهجرية) مرات عدة، إلا أن المقابلات لم تتجاوز السلام العابر. لم يتح لي أن أعرفه معرفة حقيقية إلا أثناء عملي في المؤسسة العامة للخطوط الحديدية. بعد أسابيع قليلة من انتقالي إلى الدمام زار الأمير فهد المنطقة، وذهبت للسلام عليه. طلب أن يراني على انفراد، وبقيت بعد أن انصرف الحاضرون. بدأ يتحدث بانطلاق وعفوية وفوجئت خلال الحديث أنه يتحدث عن فلسفة تنموية لا تختلف عن تلك التي كنت أطمح إلى وضعها موضع التنفيذ. قال الأمير فهد : “أنا لست من حملة الشهادات العالية، ولست من المثقفين، ولا أعرف النظريات الاقتصادية، ولكني أعرف تماماً ما يريده كل مواطن، يريد المواطن بيتاً لائقاً يضمه ويضم أولاده، ويريد عملاً كريماً يرتزق منه، ويريد مدرسة في الحي يرسل إليها أطفاله، ويريد مستوصفاً متكاملاً بقرب بيته، ويريد مستشفى لا يبعد كثيراً عن المستوصف، ويريد سيارة، ويريد خدمة كهربائية منتظمة، ويريد.. ويريد…”. اتضح لي من خلال الحديث أن الأمير فهد كان – عن غير قصد – يتبنى النظرية التنموية التي عرفت فيما بعد باسم إشباع الحاجـات الأساسية. كان الملك فهد وقتها نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للداخلية، وقـد بدأ يضطلع بدور متزايد في إدارة شؤون الدولة.

وحينما توليت وزارة الصناعة والكهرباء كانت الخطة الخمسية الثانية تنصّ على إنشاء مشاريع صناعية كبرى في الجبيل وينبع، فاتجه تفكيري أول ما اتجه إلى إنشاء مؤسسة عامة تتولى تنفيذ هذه المشاريع إلا أن الصديق محمد أبا الخيل وزير المالية والاقتصاد الوطني اقترح إقامة شركة مساهمة تجارية تعمل وفقاً للأسس التجارية الخالصة، ويمكن مستقبلاً بيع جزءٍ من أسهمها إلى الجمهور.

حملتُ الفكرة إلى الأمير فهد الذي أصغى باهتمام وتحمس للفكرة حماسة شديدة ومنحني الضوء الأخضر، وأهم ملمح جذب الأمير فهد إلى الفكرة هو وعدي القاطع بأن تتنازل الحكومة عن أسهمها مستقبلاً للمواطنين، وكان الأمير فهد حريصاً كل الحرص على أن يمتلك المواطنون أسهماً في كل شركة تقيمها الدولة أو تسهم فيها. بدأتُ العمل الدؤوب لإنشاء الشركة السعودية للصناعات الأساسية التي سرعان ما اشتهرت باسمها المختصر “سابك”، مع إنشاء الشركة بدأت ملحمة التصنيع.

لقد لقيت من عطف هذا الرجل، أميراً وولياً للعهد وملكاً، ما يجعلني عاجزاً عن أن أفيه حقه مهما فعلت أو قلت. كان الأمير فهد يدرك، بخبرته الطويلة، أن الجهاز البيروقراطي التقليدي عاجز عن تحقيق الأحلام التنموية التي كان يريد أن تتحقق. وكان يعرف ببصيرته النافذة أن مجموعة التكنوقراطيين المحيطة به كانت قادرة على تذليل العقبات وتحريك الجهاز الحكومي البطيء. كنت واحداً من تلك المجموعة الصغيرة التي حظيت بثقة ولي العهد. ومع ذلك اكتشف الأمير فهد منذ الشهور الأولى عنصراً من عناصر شخصيتي كان يتمنى لو لم يوجد: الاندفاع الشديد. كان يقول، أحياناً، في مجالسه الخاصة : “لو رزق فلان بعض الصبر لكان إنساناً مثالياً”. قال لي أكثر من مرة: “لماذا أراك مشتطاً طيلة الوقت؟ عمل الحكومة لا ينتهي”. وقال لي مرة: “ارفق بنفسك. لو مت على المكتب هل ستعرف ماذا سيقول الناس؟ سيقولون: مجنون قتل نفسه”. لو ولدتُّ صبوراً لكنت إنساناً أفضل من جميع الوجود، ولكني كنت سأكون إنساناً مختلفاً عن الإنسان الذي عرفه الملك فهد وعرفه الناس. في النهاية أدى “الاندفاع الشديد” إلى انتهاء تجربتي الوزارية.

كان الأمير فهد – وفيما بعد الملك فهد – رجلاً جم الأدب شديد الحياء. لم أره، قط يرفض طلباً من وزير أو من أي إنسان آخر بصفة مباشرة. مع الزمن تعودت، وتعود بقية الوزراء، أسلوب الملك. عندما يوافق على طلب من وزير كان يوجهه بأن يمضي قدماً في التنفيذ (كان يستعمل عبارات مثل “على بركة الله” أو “توكل على الله” أو “هذا مناسب جداً”). عندما تكون لديه تحفظات على الطلب كان يطلب من الوزير أن يكتب له رسالة عـن الموضوع (يعني هذا أن احتمال الموافقة قد انخفض إلى 50%). عندما تكون لديه شكوك جدية حول حكمة القرار المطلوب كان يقول للوزير: “دعني أفكر”. (معنى هذا أن احتمال الموافقة انخفض إلى 10%). عندما يقرر عدم الاستجابة لطلب كان يطلب من الوزير أن يبحث الموضوع مع وزير المالية (يعني هذا أن احتمال الموافقة أصبح 1%).

كان مجلس الوزراء ينعقد مرة في الأسبوع، وكان الاجتماع يستغرق ما بين ساعتين وثلاث ساعات. كانت المواضيع التي تثار تبحث بكل حرية، وفي كثير من الحالات لا يحسم الأمر إلا بالتصويت. كان الأمير فهد يرفض أن يمتنع أحد عن التصويت، ويصر على سماع كل رأي (حتى عندما يخالف رأيه هو).

أود أن أستطرد – هنا – فأقول: إنه لا الأمير فهد ولا مجلس الوزراء كان حريصاً على إصدار تشريع جديد كل يوم. كان ولي العهد يكرر دائماً: “اتركوا الناس تتنفس”، “ولا تكتموا أنفاس الناس”، و”دعوا الناس تتحرك”. كان أثقل شيء على نفس ولي العهد وعلى نفوس الوزراء إصدار نظام جديد يحتوي على قيود جديدة أو عقوبات جديدة.

بعد قرابة شهر من تكليفي بوزارة الصحة سألني إذا كنت أحتاج إلى شيء. قلت له: إن ميزانية الوزارة تتجاوز عشرة بلايين ريال، ولم يكن يصرف منها سوى أكثر من النصف بقليل. قلت: إن ما أحتاج إليه هو شعور الناس أنه يقف معي في كل الخطوات التي اتخذتها، والتي سأتخذها مستقبلاً في بادرة سخية غير معهودة. قال: “أعد الخطاب الذي يتضمن تفويضك بالصلاحيات المطلوبة وسأوقعه”. أعددت مسودة خطاب يؤكد تأييد الملك لي ويفوضني في اتخاذ “الإجراءات كافة” الضرورية لتطوير المرفق. سألني الملك – مرة أخرى -: “هل أنت متأكد أنك لست بحاجة إلى اعتمادات إضافية؟”. كان حرص الملك على تحسين الخدمات الصحية لا يقل عن حرصي، وقد يزيد. قلت: “الاعتمادات تكفي، ولكن الإجراءات المالية، أحياناً بطيئة. أستطيع أن أتحرك بسرعة إذا أمكن تحرير مبلغ معين، ضمن ميزانية الوزارة، من القيود الروتينية”. وافق الملك وتضمن الخطاب نفسه، علاوة على التفويض، تخصيص مبلغ 100 مليون ريال من ميزانية الوزارة، يتفق بشأن تدبيره مع وزير المالية والاقتصاد الوطني، ويجوز لوزير الصحة أن يصرف منه من دون أن يتقيد بالإجراءات المالية المعتادة. عندما انتهى المبلغ الثاني لم تكن هناك حاجة إلى طلب مبلغ ثالث. الذين يتحدثون عن “الاعتمادات الهائلة” التي جاءت معي لا يعرفون أن المشكلة – وقتها – لم تكن في وجود الاعتمادات، ولكن في بطء صرفها. كانت ثقة الملك المطلقة التي عبّر عنها الخطاب، والتي عبّر عنها شخصياً بأكثر من وسيلة في أكثر من مناسبة، كانت هذه الثقة المطلقة، قبل الصلاحيات وقبل الاعتمادات، هي سلاحي الأول والأخير في معارك وزارة الصحة، وكانت هناك معركة كل يوم.

الملك عبدالله

وفي كتابه “التجربة” يتحدث د. عبدالعزيز خوجة الذي تولى وزارة الثقافة والإعلام (2009 – 2014) عن الملك عبدالله بن عبدالعزيز:

الملك عبدالله بن عبدالعزيز – رحمه الله – شخصية لا تتكرر، وهو صاحب فضل علي لا أنساه. ومن صفاته الشخصية: الحذر، إذ يحرص على التدقيق في كل كلمة تقولها. لا يمنحك الثقة بسهولة، وإذا منحك الثقة من الصعب أن يسحبها. كان ملكاً مهاباً يحب شعبه، وكريماً على شعبه، وكذلك على العاملين معه. وكنا كوزراء ننظر إليه كأب كما ننظر إليه كرئيس دولة. إذا وبخك الملك من مقام الأب فهذا دليل معزة ومحبة واهتمام، أما إذا وبخك من مقام رئيس الدولة فأنت في مشكلة كبيرة. كان يكره الظلم ويتحرى رضا الله في مسلكه وقراراته، وسمعته غير مرة يقول: “لا مشكلة إن أخطأت في العفو، بل لعل في ذلك خيراً، لكن كل المشكلة إن أخطأت في العقوبة”.

وزير الثقافة والإعلام السعودي الأسبق عبدالعزيز خوجة

ومن صفات الملك عبدالله كرجل دولة، أنه يتقبل الرأي المخالف لرأيه، وإنني أرى ذلك من علامات قوته وثقته بنفسه. كان يمقت الكذب، ولو أخطأت واعترفت بخطئك، فعلى الأرجح سيعفو عنك ويوجهك، لكن إذا كذبت عليه ستسقط من عينيه تماماً.

كان – رحمه الله – يحمل موقفاً سلبياً ضد جماعات الإسلام السياسي من منطق صون الدين الحنيف من المزايدات والتسييس والتطرف.

الملك سلمان

ثم يتحدث عبدالعزيز خوجة في كتابه عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز:

لم أعمل مع الملك سلمان كملك إلا سفيراً، حين عدت بأمر منه إلى المغرب، وقبل ذلك حين كنت وزيراً للإعلام كان هو – حفظه الله – وزيراً للدفاع ثم ولياً للعهد، لكن، في كل مراحل عملي في الدولة، سواء في وزارة الإعلام أم في وزارة الخارجية، كنت على تواصل دائم مع الأمير (الملك) سلمان، وكانت كل تجاربي معه ودية وإيجابية، وأظنني كنت محل محبته واحترامه وثقته ولله الحمد، والحقيقة أن هذا الرجل خلاصة تجربة لا تتكرر، فقد تربى على يد الملك عبدالعزيز، وكان عوناً لكل ملوك المملكة من بعد الملك المؤسس، كما كان الملك سلمان دائماً ملجأ الأسرة الملكية وملجأ مؤسسة الحكم، لحل القضايا المعقدة.

يمتاز الملك سلمان بأنه إداري فذ ومحنك، ويؤمن بأن أقصر الطرق بين نقطتين هو الخط المستقيم، والإنجاز هو أهم معاييره الإدارية. لذلك لا يحب السياسات المراوغة ولا الشخصيات المراوغة أو الضعيفة. وأهم صفة في سلمان بن عبدالعزيز كملك وكأمير وكوزير وكإنسان، أنه إذا قال لك إن هذا الأمر سيحدث، فتأكد أن حدوثه مسألة وقت حتماً وقطعاً، وأنه إذا قال لك إن هذا الأمر لن يحدث فتأكد أنه لن يحدث أبداً. وهنا أؤكد أنه كان يحيطني دوماً بالرعاية والنصح والتوجيه في كل مراحل مسيرتي المهنية.

ومن مزايا الملك سلمان أيضاً، أنه يؤمن بضرورة سؤال العلماء والمختصين وذوي الخبرة كل في مجاله، ويرى أن من واجب الدولة الأخذ بآرائهم والاستفادة منها.

اطلاعه الواسع والدؤوب على ما تنشره الصحافة العربية والدولية ومراكز الأبحاث المعتبرة، وصداقته المباشرة بالكتاب والمثقفين، جعلا آراء الملك أكثر عمقاً وحيوية من التقارير الرسمية لأنها أكثر قرباً للواقع. والأهم من كل ذلك أن الملك بفطرته يحمل هم المستقبل، فهو حين يتخذ قراراً، لا يفكر فقط في الخمسين يوماً التي تلي القرار، بل يفكر في الخمسين سنة أو المئة سنة التي تليه، وأعتقد أن منطقة الرياض تشهد على هذا الكلام، وحكمه الميمون يشهد أيضاً.

الأمير محمد بن سلمان

واختتم عبدالعزيز خوجة كتابه “التجربة” بالحديث عن ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز:

لقد عملت مع الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – حين كان وزير دولة وعضو مجلس الوزراء في عهد الملك عبدالله، ثم عملت معه ولياً لولي العهد ثم ولياً للعهد.

الأمير محمد رجل عملي جداً، لديه ملكات القيادة، وأخذ الكثير من صفات والده العظيم، ومن مزاياه أنه وهب نفسه وكل وقته وكل جهده للدولة وللعمل العام. لقد تشرفت بالسفر مع سموه غير مرة، ولاحظت في غير رحلة أن الوفد المرافق – لولي العهد الأمير (الملك) سلمان – كان يتنزه في أوقات الفراغ والراحة، بينما كان الأمير محمد يستكمل عمل الدولة من دون كلل ولا ملل.

أنصح كل من يعتقد أن العمل العام تشريف وليس تكليفاً، بأن لا يعمل مع محمد بن سلمان. وأنصح كل من لا يعمل 25 ساعة في 24 ساعة بأن لا يعمل مع محمد بن سلمان.

إن نجاح مشروع الأمير محمد بن سلمان فيه خير كبير وكثير ووفير للعالمين العربي والإسلامي، لذلك أسأل الله عز وجل أن يسدد خطاه، وأن يعينه ويحفظه وينصره.

شارك المقال