مفتي حاصبيا ومرجعيون لـ”لبنان الكبير”: لنكن أمة الاعتدال ووجود الحريري بين أهله وناسه مطلوب

حامد الدقدوقي

يبدأ موقع “لبنان الكبير” نشر سلسلة مقابلات مع مفتي لبنان تحت عنوان “العمائم البيضاء”، والمقابلة الثالثة مع مفتي حاصبيا ومرجعيون القاضي الشيخ حسن دلي.

تقع منطقتا حاصبيا ومرجعيون على الحدود الدولية الجنوبية، وهما من الأقضية التابعة لمحافظة النبطية. تُعتبر هذه المنطقة واحدة من أكثر المناطق تنوعاً من الناحية الطائفية والدينية في لبنان، وتكتسب أهمية استراتيجية كبرى نظراً الى موقعها الجغرافي الذي يجاور الحدود مع فلسطين المحتلة وسوريا، ما جعلها مسرحاً للعديد من الأحداث والتعديات المستمرة من العدو الاسرائيلي.

يبلغ عدد سكان قضاء مرجعيون المقيمين فيه حوالي 45,300 نسمة. تتشكل التركيبة الطائفية في مرجعيون من الشيعة الاثني عشرية بنسبة 82%، يليهم الروم الأرثوذكس بنسبة 6%، والموارنة بنسبة 5%. يتساوى السنة مع الروم الكاثوليك بنسبة 3% لكل منهما، بينما يشكل الموحدون الدروز نسبة 1%.

أما قضاء حاصبيا، فيبلغ عدد سكانه المقيمين حوالي 30,000 نسمة، يشكل السنة 51% من التركيبة الطائفية، يليهم الموحدون الدروز بنسبة 31%، والروم الأرثوذكس بنسبة 10%، والموارنة بنسبة 4%. أما الروم الكاثوليك والشيعة الاثني عشرية فيتعادلان بنسبة 2% لكل منهما.

على مر العصور، وعلى الرغم من الأزمات التي مرت على لبنان عموماً، ومنطقة حاصبيا ومرجعيون خصوصاً، من اعتداءات العدو الاسرائيلي المتكررة وابتعاد المنطقة نسبياً عن العاصمة بيروت ما اضطر بعض أبنائها إلى النزوح الطوعي للتعلم والعمل، حافظ المسلمون السنة على وجودهم وتاريخهم العريق في المنطقة، وأسهموا في بناء نسيج اجتماعي متماسك مع بقية الطوائف، بحيث لعب السنة أدواراً حيوية في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية.

موقع دار الفتوى في حاصبيا ومرجعيون ملحوظ بموجب المرسوم رقم 18 الصادر عن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى. إلا أنه، ولأسباب كانت عند الشهيد المفتي الشيخ حسن خالد، لم تُجرَ انتخابات لمفتٍ للمنطقة، بحسب ما يروي مفتي حاصبيا ومرجعيون القاضي الشيخ حسن دلي لموقع “لبنان الكبير”. ويضيف: “إلا أنه، وبعد اتفاق وتسوية على مستوى دار الفتوى برعاية دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، صدر قرار تعيين كل من سماحة الراحل الشيخ خليل الميس مفتياً عن زحلة والبقاع، وسماحة الشيخ مصطفى غادر مفتياً عن منطقة مرجعيون وحاصبيا، وبذلك أصبح لمنطقة مرجعيون وحاصبيا مفتياً ولو بالتعيين، إنفاذاً للمرسوم 18. واستمر سماحته في موقعه إلى عام 2007 حين وافته المنية”.

وبعد أشهر من وفاة المفتي غادر، صدر عن مفتي الجمهورية اللبنانية السابق الشيخ محمد رشيد قباني بتاريخ 3/9/2007 قرار بتكليف قاضي محكمة حاصبيا الشرعية الشيخ حسن دلي بمهام مفتي حاصبيا ومرجعيون، إضافة إلى عضويته في المجلس الشرعي الأعلى. وفي عام 2022 تم انتخابه كأول مفتٍ منتخب في تاريخ المنطقة.

ويقول دلي: “بعد تكليفي بهذا الموقع، قمت باستئجار مقر لدار الفتوى في مدينة حاصبيا، مركز القضاء، حيث أصبح مقراً يقصده كل أبناء المنطقة ولبنان من فعاليات دينية وسياسية وحزبية. وأثبتت دار إفتاء حاصبيا ومرجعيون مرجعيتها الوطنية بشهادة كل المكونات اللبنانية وقوات الطوارئ الدولية وقادتها”.

ويوضح دلي: “عملنا على تأسيس دائرة أوقاف حاصبيا ومرجعيون بعد أن كانت الأوقاف في منطقتنا تابعة لدائرة أوقاف صيدا، وصدر قرار بإنشاء الدائرة بعد أن تم تقديم الطلب مني شخصياً في هذا الخصوص. وكان الفضل في دعم إنشاء هذه الدائرة لرئيس اللجنة التشريعية في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى آنذاك سماحة مفتي الجمهورية القاضي الشيخ عبد اللطيف دريان وبإجماع المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى. ومن ثم تم رصد وتسجيل كل العقارات الوقفية والعمل على استثمار العقارات المبنية وتأجيرها. أما العقارات المزروعة بالزيتون، فنقوم بقطافها وبيع منتجاتها عبر الإعلان عن البيع وبالسعر الرائج، إضافة إلى القيام بسلسلة من المحاضرات تشمل جميع المواضيع التي تعنى بحياة الإنسان وسلوكه”.

كما تم إنشاء صندوق الزكاة في المنطقة، وكانت انطلاقته بعد انعقاد المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في منزلي ببلدة شبعا عام 2007. هاتان المؤسستان التابعتان لدار الفتوى في حاصبيا ومرجعيون أثبتتا حضورهما وفعاليتهما وما زالتا حتى اليوم، على الرغم من الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.

ويشير دلي إلى أن “تعيين لجان للمساجد تم من أجل الاهتمام بها وصيانتها والمحافظة عليها وإبعاد أي سيطرة من أي جهة كانت عليها”. ويُسجّل لدار الفتوى في حاصبيا ومرجعيون جمع أبناء أهل السنة تحت راية مؤسسة دار الفتوى. لذلك، تتركز المبادرات التي تقوم بها الدار على لقاءات مع فعاليات العرقوب من رؤساء بلديات ومخاتير وهيئات اجتماعية وجمعيات من أجل ترسيخ فكرة التمسك بالأرض والوطن، وعدم الانجرار الى أي خلاف أو اختلاف والتنبه الى أي فتنة حتى لا تكون سبباً في تهجير أبناء المنطقة، بحيث أبدت الجمعيات والمؤسسات استعدادها للتعاون مع دار الفتوى.

ويشدد دلي على أن “التحديات التي تواجه دار الفتوى في منطقة حاصبيا ومرجعيون تتمثل في إرساء الاستقرار وإبعاد الناس عن الغلو وحثهم على أن نكون كما وصفنا الرسول صلى الله عليه وسلم، ولنكون أمة الاعتدال والوسطية في الأمور كلها ونكون خير أمة أخرجت للناس”.

التنوع الطائفي في حاصبيا ومرجعيون يعكس الصورة الأوسع للتعددية الدينية في لبنان. وبموازاة ذلك، يعتبر دلي أن “دار الفتوى لها باع طويل في التواصل مع مكونات الوطن كافة وبجميع طوائفه عبر مرجعياتهم الدينية والسياسية. وكان لهذه اللقاءات أثر في ترسيخ التعايش الواحد والمحافظة على الوحدة الوطنية”.

السنة والدولة والأمة

ويتهم مفتي حاصبيا ومرجعيون في حديثه لـ”لبنان الكبير”، الدولة بالتقصير المقصود، قائلاً: “ليس غريباً على الدولة ومسؤوليها تجاه منطقة العرقوب وعلى السنة خصوصاً التقصير واللامبالاة تجاه أهلنا في كل الأمور، سواء كانت معيشية أو إنمائية أو وظيفية. فلا حياة لمن تنادي، وعلى الرغم من ذلك فإن إنسان هذه المنطقة الأبية العزيزة متمسك بوطنه وبكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. ومطالبنا قديمة جديدة بأن نُعامل كمواطنين من الدرجة نفسها التي تُعامل فيها بقية المدن والقرى اللبنانية من دون تمييز أو تمايز”.

ويؤكد أن “التقصير مقصود، وذلك مرده إلى ضعف من بيدهم زمام الأمور، كون هذه المنطقة لا تعنيهم، وجغرافياً لا تعنيهم لبعدها، كما هو الحال مع سنة الأطراف في وطننا لبنان. ومهما قصّروا عمداً أو إهمالاً، فإن تمسكنا بأرضنا، أرض الأهل والأجداد، لا تغنينا عنه أي أرض أخرى أو منطقة”.

ويطمئن دلي أهلنا في منطقة حاصبيا ومرجعيون الى أن “الليل مهما طال بعتمته، فلا بد من أن ينبلج الفجر وتستقيم الأمور ونأخذ حقنا من دولة قد أهملت وابتعدت، فإن الحق يعلو ولا يُعلى عليه”.

ويستذكر دلي الرئيس سعد الحريري، مشدداً على أن “لبنان يفتقد غياب دولة الرئيس سعد الحريري لما له من حيثية وأثر في لبنان عموماً وعلى السنة خصوصاً. وإن وجوده بين أهله وناسه مطلوب، ما يؤدي إلى راحة نفسية لما له من محبة في نفوس جمهوره”.

ويرى دلي أن “لا خوف على الأمة الاسلامية، لأننا لسنا طائفة، وإنما أمة. وهذه الأمة تمر بفترات ضعف وسكون، ولا بد من أن يأتي يوم تكون فيه هذه الأمة عزيزة من باب أنها خير أمة أُخرجت للناس. أما الانقسامات داخل السنة فمردها إلى أن كل فئة تريد أن تثبت نفسها، ولو كان ذلك على حساب جمع الأمة، ونسوا قول الله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا”.

أما عن الوضع الميداني والاعتداءات اليومية على المنطقة، فيؤكد دلي أن “الناس صامدة في أرضها على الرغم من قساوة الوضع الأمني وخسارة الناس لأرزاقها وموارد رزقها”.

ويختم مفتي حاصبيا ومرجعيون حديثه لموقع “لبنان الكبير” بالقول: “لا بد من أن أوجه كلمتي إلى كل من لديه حس إنساني وضمير حي ليسارع إلى الوقوف إلى جانب أهلنا في منطقة حاصبيا ومرجعيون”.

شارك المقال