ماذا يقرأ رؤساء الجمهورية؟

عبد المنعم مصطفى

حملتني القراءة المبكرة، الى دنيا الصحافة، لكن مهنة الصحافة حرمتني مبكراً من القراءة، أو استأثرت بجل وقتي لقراءة ما يغذيها ويغذي القارئ، فأصبحت أقرأ في الغالب من أجل تقديم ما يريد القارئ أن يعرفه، ومع الوقت تحولت الى طباخ، يطهو ما يحبه زبائنه، لا ما يحب هو أن يتناوله من ألوان الطعام.

المهنة، وأكل العيش، يحددان لنا أحياناً ماذا نقرأ، وبماذا نهتم، ولهذا فإنني ألتمس العذر، لكل حكامنا الذين لا يدع لهم الانشغال بأعباء الحكم، أدنى فرصة لقراءة معمقة، أو متخصصة، أو وفق برنامج أو خطة، فأغلب ما يقرأه الرؤساء والملوك، هو تقارير مرؤوسيهم، الذين يتحولون مع الوقت، الى عين الرئيس وأذنه، ومصدر معلوماته الرئيسي وربما الوحيد.

بالنسبة لي أعترف، بأنني ما زلت أغترف، من وعاء قراءاتي القديمة التي شكلتني، وهيأتني لأكون صحافياً ثم كاتباً، بل ان بعض ما أكتبه حتى الآن، تعود جذوره الى قراءات ومعارف حصدت بعضها قبل نصف قرن مثلاً. أنا أغترف من قراءاتي السابقة، فمن أي وعاء ثقافي يغترف الرئيس؟

جمال عبد الناصر، قرأ للعقاد وتأثر بطه حسين، ثم هيأه توفيق الحكيم للثورة، بعدما قرأ له “عودة الروح”. اما أنور السادات، فربما تأثر بكتاب “كفاحي” لأدولف هتلر. بينما قادت كتابات حبيب العادلي (تقاريره) الرئيس الأسبق حسني مبارك الى نهاية مروعة، وقادتنا نحن – كشعب – الى حيث نحن الآن. أما الرئيس الأسبق محمد مرسي فقد اكتفى في الغالب هو أيضاً بقراءة “رسالة التعاليم” لحسن البنا مؤسس “الجماعة”، و”معالم في الطريق” لسيد قطب.

ما قرأه الحكام قبل أن يصبحوا حكاماً، هو ذخيرتهم الحقيقية، التي ربما قادت بعضهم الى مقعد الحكم أو الرئاسة، فهم يحكموننا بمقتضى ثقافتهم السابقة على تولي المنصب الرئاسي، أما بعد تولي المهام الرسمية الجسيمة بالطبع، فانهم يكتفون بقراءة التقارير، التي يعدها لهم فريق من المساعدين. وكما نعرف، فقد طلب الرئيس الراحل أنور السادات من رئيس ديوان الرئاسة، ألا يقتلوه بالأوراق والتقارير التي “قتلت جمال عبد الناصر”، فقد كان السادات يعتقد أنه بات يعرف ما يكفي لإدارة البلاد من دون حاجة الى قراءة المزيد من التقارير. أما الرئيس الأسبق مبارك، فقد احتد على د. مصطفى الفقي حين عرض عليه الأخير تقارير بعضها كان يحمل ألواناً مميزة (بقلم ماركر) دليلاً على مقدار أهميتها، معتبراً أن من فعل هذا يفترض أن الرئيس لا يعرف ما هو المهم وما هو الأهم، وما هو الأقل أهمية!

في حسابه على “فيس بوك”، تحدث د. توفيق اكليمندوس أستاذ العلوم السياسية، عما يقرأه الرئيس عبد الفتاح السيسي، – وأعترف لكم الآن بأن ما كتبه د. اكليمندوس هو ما أوحى لي بفكرة ما تقرأونه الآن- قال اكليمندوس ان الرئيس السيسي، قال في حديث له رداً على سؤال حول المؤلفات التي أثرت فيه أو تأثر بها، انه قرأ كل كتب الراحل محمد حسنين هيكل، والمرحوم أنيس منصور وموسى صبري. واعتبر اكليمندوس أن كلام السيسي عن أنيس منصور وموسى صبري، جديد، وأنه ربما جاء لقربهما من السادات، ربما لأن السيسي أراد التعرف على سلفه السادات، أو أراد ترضية أنصار الرئيس “المؤمن”.

وأبدى د. اكليمندوس مخاوفه، من تأثير كتابات هيكل وأنيس منصور وموسى صبري، على الرئيس بسبب ما رَآه أنه عطب في المنهج والمقاربة الأسطورية للتاريخ، وكذلك بسبب التعظيم المريع من دور الفرد، ومن “حب اللجوء الى نظريات المؤامرة التي لا أساس لها من الصحة، ورسائلها خطأ ودعوة الى اليأس”. ثم اقترح البروفسور اكليمندوس على الرئيس السيسي القراءة لكل من المرحومين صلاح نصر وأمين هويدي بالاضافة الى سامي شرف.

أنا، مثل اكليمندوس، تقلقني المدخلات بحسب ما يمكن أن ينتج عنها من مخرجات، ولهذا مثلاً، أجدني منشغلاً، بمحاولة التعرف على مطبخ السياسات والقرارات في مصر، من هو فريق العاملين في المطبخ؟ ما هي العوامل التي أثرت في تكوين كل من أعضاء فريق المطبخ الرئاسي؟ ما هي السمات الشخصية لأعضاء الفريق المؤثرين في القرار السياسي؟ ما هي المرجعية الفكرية أو الثقافية لكل منهم؟ وللأمانة، فأنا لا أعرف أي شيء لا عن المطبخ ولا عن فلسفته، ولا عن أعضائه، ولا عن الطبخات التي أبدعوها، ولا عن تلك التي ما تزال رهن التحضير.

لدي مشكلة أخرى سوى المطبخ والطهاة، فأنا لم أر “المنيو” أو قائمة الطعام، لأن الرئيس لم يقدم لناخبيه لدى ترشحه للرئاسة، برنامجاً سياسياً محدداً، وربما ألتمس له بعض العذر، فالأزمة التي كانت تجتازها البلاد، هي من أخرجت الشعب في ٣٠ يونيو (حزيران) لاستدعاء الجيش وتكليف قائده بمهمة تحرير البلاد من الإخوان، وهذه المهمة بذاتها هي خلاصة التكليف الشعبي المعلن، والقبول الرئاسي المضمر.

مفاتيح الحل لمشكلات مصر ليست في كتب هيكل وأنيس منصور وموسى صبري، وهي ليست بالطبع في كتب صلاح نصر وأمين هويدي، مفاتيح الحل في كتاب وحيد اسمه “الدستور”، بشرط وحيد، هو أن نقرأه بنية تطبيقه نصاً وروحاً، وليس بنية استكشاف ثغرات فيه، يمكن من خلالها تمرير أفكار وفق مقاس مصطفى بكري، أو حلول وفق مقاسات أحمد موسى.

شارك المقال