“أم كا”.. أفيخاي ورئاسة

لينا دوغان

إسمها “أم كا” ولا نعرف ما إذا كانت تطورت كما الكثير من الأسلحة، وهي معروفة باللبناني بـ “أم كامل”، بدأنا نسمعها بصورة غير منقطعة ومزعجة تدخلك في حالة من التوتر خلال أزيزها الذي تشعر معه وكأنها تدور داخل بيتك، وهناك من يقول إنها طائرات درون، ولكي لا ندخل في تفاصيل الطائرات العسكرية، فقد شهد لبنان خلال هذه المرحلة، حرباً للمسيرات، إذ يستخدم “حزب الله” وإسرائيل هذا السلاح لتحقيق أهداف متعددة تبدأ بالاستطلاع والمراقبة الى الضربات الجوية، وقد برزت تقنية هذه الطائرات المسيرة كأداة رئيسية في عمليات اغتيال إسرائيل لقادة “حزب الله” على طول الأراضي اللبنانية والسورية، وكذلك في استهداف الحزب المواقع الاسرائيلية.

هذه نبذة عما يجري على خط الطيران العسكري، ومنه ننتقل الى الحديث عن أفيخاي أدرعي الناطق باسم جيش دفاع الاحتلال وهو الوجه المعروف في الوطن العربي من خلال تفاعله النشط على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، وعرفناه أكثر من خلال اللغة العربية التي تربطه بها علاقة قوية وقد تعلمها من أجداده وكانت من ضمن المواد التي درسها، وكان في ذلك الوقت يرسم مستقبله المهني للانضمام الى هيئة الاستخبارات العسكرية، وهذا ما يتطلب تعلم العربية من مبدأ “اعرف عدوك” كما يقول.

وكما بث تحذيراته الأمنية لسكان قطاع غزة، كذلك في لبنان بتنا نتابع تحذيراته من خلال اطلالاته علينا أو تغريداته، لنتعرف عليه كاتباً وناطقاً بلغتنا العربية، وعبر تحذيراته تلك نستعد للبث الحي عبر القنوات ونشاهد القصف الصاروخي المروع الذي استهدف ويستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت.

ومع الطائرات وأفيخاي والقصف والحرب التي لم يريدوها، يمضي اللبنانيون معظم أوقاتهم، في حين أن المسؤولين السياسيين اللبنانيين والذين كان بعضهم موجوداً في نيويورك، قدموا اقتراحاً من الرئيس نبيه بري قوامه هدنة من ٤ أسابيع في لبنان وإسرائيل، وقد أبلغ بري الجانب الأميركي أنه سيحاول خلالها إقناع “حزب الله” بالتراجع إلى ما وراء الليطاني وتطبيق القرار 1701، الا أن نتنياهو لم يقبل بالطرح واشترط إما إنشاء منطقة عازلة في الجنوب حتى 7 كيلومترات أو اتفاق طويل المدى يقضي بالاعتراف بإسرائيل وهما شرطان تعجيزيان طبعاً، وهذا ما جعل احتمال حدوث خرق ديبلوماسي صعباً، ومع ذلك عاد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من الخارج ليبقى وزير الخارجية عبد الله بو حبيب، علّ أمراً ما يطرأ، ليصدر الإعلان الرسمي المشترك الذي يتعهد فيه ميقاتي وبري التزاماً صارماً بتنفيذ القرار 1701 استناداً إلى المقترح الأميركي- الفرنسي من جهة والذهاب بعد وقف النار إلى انتخاب رئيس توافقي لا يشكل تحدياً لأحد من جهة ثانية، على الرغم من الحرب الاسرائيلية جواً واقتراب الغزو براً، إلا أنه يمكن أن يشكل قاعدة أساسية لموقف لبنان الرسمي بما يؤسس لتسوية توقف الحرب وتحصّن الموقف الداخلي خصوصاً بعد تطور الأحداث ووصولها إلى عملية اغتيال الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصر الله، لكن كلام نعيم قاسم القائل باستمرار جهوزية الحزب في مواجهة العدو لم يتوافق مع الموقف الرسمي اللبناني، الذي على ما يبدو يحاول ولو لم يكن بالفعل، تقديم أوراق للخارج تساعده على الخروج من هذه الحرب في بدايتها، لأن تدحرجها ليس في مصلحة بلد ليس قادراً بالتأكيد على تحمل هذا الكم من النزوح لفترة طويلة سيكون فيها لفصل الشتاء الدور الأكبر في زيادة قساوتها على الجميع حكومةً ونازحين.

لا أحد يجزم بما إذا كانت المساعي ستلقى اهتماماً من الخارج بالدرجة الأولى على الرغم من خط المفاوضات المفتوح، ولا أحد يعرف ما إذا كانت ستلقى جواباً في الداخل، خصوصاً وأن صورة الثلاثي بري – ميقاتي – جنبلاط لم تترك أثراً جيداً لدى المسيحيين وإن أعطت انطباعاً بفك الرئاسة عن الحرب ومرونة في حل الملف، هذه المبادرة التي وصلت الى القوى المسيحية وبكركي عبر موفدين، يؤكد أصحابها أنها قريبة من طرحهم بانتظار الأجوبة عليها.

في حرب لا نعرف نهايتها كما لا نعرف نوايا إسرائيل فيها، من الطبيعي ألا نراهن على المبادرات فقط، فالمطلوب قبل كل شيء موقف واضح لـ “حزب الله” حول ربط وقف الحرب في لبنان بوقفها في غزة وهو أمر يعطي دفعاً للموقع الرسمي اللبناني لجهة جديته في تنفيذ القرار ١٧٠١ وانتشار الجيش، موقف أيضاً واضح للكتل المسيحية على كثرة اختلافاتها، ليذهب لبنان بموالاته ومعارضته الرسمي والشعبي إلى الفعل لا القول، فلا مبادرة تنفع طالما لا قرار واحداً لدينا لمواجهة الحرب وحتى تداعياتها، وسيبقى كل شيء من مبادرات وملف رئاسي وغيرها من الطروح في مهب الريح، وسيطول الأمر مع المسيرات التي تقلق نهاراتنا، والقصف الذي يطيّر النوم من عيوننا، وأفيخاي الذي تعلم العربية ليطن آذاننا بتحذيراته، لتطول الأحاديث، وتطول الحرب.

شارك المقال