ماذا بعد… السيد؟

الراجح

كي لا يقع الواحد منا في التكرار لبديهيات لا خلاف عليها ولا حتى حولها، إسرائيل عدو مغتصِب وشرس ولا يعير للإنسانية أبعاداً ولا للقوانين الدولية اعتباراً. وعليه، لا خطوط حمراً ولا قواعد اشتباك ولا أي وزن للرأي العام باستثناء الداخل الاسرائيلي حيث بورصة الاتجاهات.

بدأ قرار اغتيال السيد باستهدافات بسيطة – مطاردة المقاتلين في سياراتهم وعلى دراجاتهم النارية، وانتقل إلى اغتيال القيادات العسكرية وبعدها إلى مستويات معقدة… تفجيرات “البايجر” و”الووكي توكي” لينتقل إلى استهداف البيوت بحجة تخزين الأسلحة، الخ…

ردود فعل “حزب الله” على كل هذه الحلقات هي ما دفع العدو الاسرائيلي إلى عمليّة الاغتيال؟

لكن قبل كل هذا كانت البداية في 8 تشرين الاول 2023 حيث كان القرار بفتح جبهة إسناد غزة. المعروف أن الأحزاب الدينية العقائدية تأخذ قراراتها بالشورى وتعتمد على الفتوى التي تصدر عن المرجع الأعلى… أنا لا أدعي أنني فقهي، ولا أدعي أنني جهة صالحة لفهم أو إفهام ما يصدر عن ذاك المرجع، ولكني أعرف أن من شروط الفتوى أمرين: الموجب والمآلات (أي النتائج) – فالموجب موجود طبعاً: العدو والاحتلال؛ أما ماذا عن المآلات، هل أخذت في الاعتبار؟ أنظروا ما نحن فيه…

دعونا نراجع نص المادة الخامسة من الدستور الايراني والتي تنص حرفياً: “في زمن غيبة الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير”.

وانظروا إلى المادة التاسعة من الدستور: “في جمهورية إيران الإسلامية، تعتبر الحرية والاستقلال ووحدة أراضي البلاد وسلامتها أموراً غير قابلة للتجزئة، وتكون المحافظة عليها من مسؤولية الحكومة وجميع أفراد الشعب، ولا يحق لأي فرد أو مجموعة أو أي مسؤول أن يلحق أدنى ضرر بالاستقلال السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي أو العسكري لإيران، أو ينال من وحدة أراضي البلاد باستغلال الحرية الممنوحة، كما أنه لا يحق لأي مسؤول أن يسلب الحريات المشروعة بذريعة المحافظة على الاستقلال ووحدة البلاد، ولو كان ذلك عن طريق وضع القوانين والقرارات”.

أي شكل كفاحي مجدٍ ومؤثر يفترض عدداً من المسائل أهمها: التمكن من استثمار أي شكل نضالي في منجزات سياسية، وهذا يتعلق بحساب الجدوى، أو التكاليف والمردود من كل النواحي وخصوصاً السياسية – ما يعني استثمار المعاناة والتضحيات والبطولات في إنجازات متحققة عملياً بحيث لا تتحول المقاومة أو التضحيات إلى غاية في ذاتها أو لمصلحة هذا الفصيل أو ذاك أو لجهات أخرى. وبديهي أن هذا الضّد من القول الذي صدر بالأمس عن أحد قياديي “حماس”، خالد مشعل ومن بعده نعيم قاسم، ان كل ما جرى في غزة ويجري في لبنان هو ثمن المقاومة، وكأن محو غزة أو لبنان أو تحويلهما إلى مكانين غير صالحين للعيش، وتحويل مليوني فلسطيني ومليون لبناني فيهما إلى مجموعة من البائسين اليائسين الذين يفتقدون الحد الأدنى للقدرة على العيش، يفقِد المقاومة حاضنتها وجدواها؛ ناهيك عن أن ذلك يعني أن الفصيل العسكري هو أهم من الشعب!

في نظرةِ إلى الواقع الراهن، إن ما يجري لا صلة له بمفاهيم أو استراتيجية حرب الشعب الطويلة الأمد، أو حرب الضعيف ضد القوي. فالمقاومة لا تخاض وفق جيش لجيش، وصواريخ ضد صواريخ، إنّما تكسب بالنقاط لا بالضربة القاضية. وهي تعتمد على مقاومة الشعب أساساً وليس على فصيل من عسكريين محترفين، فوق الأرض أو تحتها، لا سيما إذا كانت التجربة أكدت أن مثل تلك الاستراتيجية غير مجدية في تغيير قواعد الصراع أو موازين القوى.

هذا يأخذنا إلى مسألة أساسية أخرى مفادها أن غرض المقاومة هو استنزاف العدو وتفكيك وحدة مجتمعه لا توحيده ولا تمكينه من تبرير بطشه بشعب المقاومة، واستنزاف قدراته. ما حصل في قطاع غزة أدى إلى تدمير 80% من عمرانها ببناها التحتية ومساكن أكثر من مليوني فلسطيني، ولا ندري على ما ستتوقف عمليات التدمير في لبنان.

هل وفرت فتوى الإسناد لجبهة غزة شروط البصير والشجاع القادر على إدارة المعركة كما على التدبير؟ وهل حافظت على وحدة أراضي البلاد وسلامتها وعلى كل ما ورد في المادة التّاسعة؟ هل ننتظر لنرى أم يكفي ما نحن فيه؟

شارك المقال