في منتصف الشهر الماضي، أعلن الجيش الاسرائيلي “إنشاء وحدة جديدة في الجولان، بهدف تحقيق استجابة فورية لمختلف التهديدات في المنطقة”، موضحاً أن الوحدة “مصممة لتوفير استجابة فورية لمختلف التهديدات في المنطقة، وذلك بجمع المعلومات الاستخبارية وإحباط أي عمليات تستهدف أمن إسرائيل، وهي سرية دوريات مكونة من مقاتلين ذوي مهارات عالية وتخصص في تضاريس المنطقة التي يعملون فيها، وهي تابعة للواء الجولان (اللواء 474)”. وأشار إلى أن “مقاتلي الوحدة باشروا تدريبات على مدار 8 أشهر، أعقبها تدريب متقدم و4 أشهر من التأهيل الفريد في الوحدة”.
جاء هذا الإعلان بعد أن كان الجيش الاسرائيلي قد كشف في آذار الماضي أنه “أنشأ لواءً جديداً يحمل اسم “ههاريم”، كجزء من ملاءمة الاستجابة العملياتية على الحدود الشمالية مع سوريا ولبنان، مضيفاً: “ان لواء ههاريم سيعمل تحت قيادة (لواء 210)، وتتركز مهمته على الدفاع في منطقة جبل الشيخ في سوريا، وجبل الروس المطل على لبنان”.
إستعادة هذه المواقف للجيش الاسرائيلي، بعدما أظهرت تحركات قواته في الآونة الأخيرة في منطقة الجولان المحتلة، إشارات تدل على استعدادات محتملة لتوسيع العمليات العسكرية ضد “حزب الله”، بحيث أن إسرائيل أزالت الألغام الأرضية وأقامت حواجز جديدة على الحدود مع سوريا، ما يشير إلى تحول استراتيجي في ساحة المعركة، وبحسب محللين، فإن العمليات الجارية في الجولان تُعتبر جزءاً من خطة إسرائيلية أوسع تهدف إلى تطويق “حزب الله” من جهة الشرق.
تزامن هذا التطور الميداني مع تصريح لافت للرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبّر فيه عن مخاوفه إزاء ما وصفه بخطر تحرك إسرائيلي نحو دمشق، ما فتح باب التساؤلات حول تداعيات هذا السيناريو على الأوضاع الاقليمية. وحذر أردوغان من أن “أي سيطرة إسرائيلية على العاصمة السورية قد تؤدي إلى تغييرات كبيرة في الخريطة الجيوسياسية للبلاد”، مشيراً إلى أن “هذا الأمر لن يقتصر على دمشق، بل قد يمتد إلى الشمال السوري، ما قد يشكّل تهديداً مباشراً للأمن التركي على حدوده الجنوبية”. وتشير التقارير الى أن هذه الاستراتيجية التي بدأ الجيش الاسرائيلي تنفيذها، تهدف إلى تقليل خطر تعرضه لهجمات من الأراضي اللبنانية، حيث يمكن لإسرائيل من خلال هذه العمليات فرض السيطرة على طرق الإمداد التي تمر عبر سوريا إلى “حزب الله”، ما يعزز من قدرة إسرائيل على الرد مع تصاعد الصراع.
يذكر في سياق هذا العرض، أن صحيفة “هآرتس” الاسرائيلية قالت في عددها الصادر في 24 الشهر المتصرم “إن الجيش يتابع بقلق قدوم نحو 40 ألف مقاتل من سوريا والعراق واليمن إلى الجولان، وينتظرون دعوة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله للقتال” (قبل إستشهاده). ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين قولهم “إن وجود المقاتلين أمر خطير، وانهم سيتدخلون بسوريا كي يوضحوا للرئيس بشار الأسد أنهم لن يقبلوا بوجود المقاتلين في هذا المكان”، معتبرين أن “إسرائيل في حرب يمكن أن تتصاعد لحرب إقليمية أوسع بكثير”.
يشار إلى أن إسرائيل كانت شرعت خلال الأشهر الفائتة بفتح ممرات في الجولان السوري المحتل، وتفجير حقول ألغام بمحاذاة خط وقف إطلاق النار عدة مرات، بالتوازي مع تصاعد الاستهدافات ووصول قوات نخبة من الميليشيات الايرانية إلى الجنوب السوري. كما استهدفت باستمرار تجمعات ومقرات لميليشيات مدعومة إيرانياً، علاوة على أماكن أخرى يتمركز فيها الجيش السوري.
بالعودة إلى فيلق “الجولان”، فهو لواء إقليمي في فرقة “باشان” ومسؤول عن الأمن اليومي في قطاع مرتفعات الجولان وقطاع جبل الشيخ. وسبق توحيد لواء “الجولان” ولواء “حيرمون 810 -جبل الشيخ”، في لواء مكاني واحد أطلق عليه اسم “لواء الجولان”، وكجزء من ذلك قررت القيادة الشمالية في الجيش الاسرائيلي أن اللواء الموحد الجديد سيسيطر على كامل قطاع هضبة الجولان وجبل الشيخ، وفي الوقت نفسه أصبح لواء “حيرمون” لواء احتياط. وعام 2009، تقررت إعادة الوضع إلى ما كان عليه من قبل، وعاد لواء “حيرمون” لينشط بصورة منفصلة في هضبة الجولان وعلى طول خط وقف إطلاق النار وجبل الشيخ، وعام 2016 وعقب خطة “جدعون” للإصلاحات في الجيش، تقررت إعادة توحيد الألوية تحت قيادة لواء “الجولان”.
إزاء هذه التطورات التي يشهدها الجولان المحتل، يتساءل المراقبون عن موقف الرئيس السوري بشار الأسد، الذي لا يزال يتسلح منذ “طوفان الأقصى” بموقف “اللاموقف”، جراء صمته المطبق، وكأنه يريد التعبير من خلاله عن “النأي بالنفس”، بما في ذلك التحركات الاسرائيلية التي شهدتها هضبة الجولان، خلال الأيام الماضية. وصمت الرئيس بشار الأشد يواكبه إجراءات يقودها شقيقه ماهر من خلال “الفرقة الرابعة” وتهدف الى تجنب الضربات الاسرائيلية، إذ بحسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، فقد اتخذت “الفرقة الرابعة”، سلسلة من الاجراءات تجنباً للضربات الاسرائيلية المتكررة التي تستهدف عادة مقرّات وتجمعات لمقاتلين مدعومين من إيران. كما أمرت قيادة الفرقة بعدم نقل السلاح أو استضافة عناصر من “حزب الله” والميليشيات الايرانية داخل مقرات “الفرقة الرابعة” وقواعدها خوفاً من تعرضها لهجمات إسرائيل، اذ تعتبر هدفاً لقواتها نظراً الى اصطفافها مع “حزب الله” والحرس الثوري الايراني والميليشيات الأخرى المتحالفة مع إيران.
ليس صدفة وسط التصعيد والتوسع المتزايدين في المواجهات بين “حزب الله” وإسرائيل ما يحصل من تطورات ميدانية على جبهة الجولان، ما يثير المخاوف من أن تكون منطلقاً لإجتياح بري، في وقت تتجه فيه الأنظار الى عمليات الكر والفر البرية التي يشنها الجيش الاسرائيلي في جنوب لبنان على سبيل “التمويه”، ويحبطها مقاتلو “حزب الله”، الذين كثفوا من هجماتهم الصاروخية داخل العمق الاسرائيلي، على الرغم من إستراتيجية “عقيدة الضاحية” التدميرية التي يمارسها العدو الصهيوني على نطاق واسع، على غرار ما فعله بغزة. فهل يكون الجولان “بوابة” الاجتياح البري؟


