سنوات الوعي القسري: العدوان الثلاثي وثورتا العراق ولبنان

عبد المنعم مصطفى

لا أعرف سر ولع أسرتي، بتجديد الفرش وتنجيدها، ودهانات الجدران والنوافذ، كلما حلّ الصيف. كانت تلك الاجراءات طقساً مصرياً رأيت الكثير من الأقارب وبعض الجيران يحرصون عليه.

في صيف عام ١٩٥٨، وبينما جرى نقل الأثاث والفرش كله الى احدى غرف البيت، ريثما يتم الانتهاء من أعمال الدهان في باقي الغرف، استيقظت صباح الرابع عشر من يوليو (تموز) على صوت الراديو يبث أناشيد وطنية تتحدث عن العروبة والمصير الواحد، وتشيد ببسالة شعب العراق وعروبته. كنت أنام فوق مجموعة مراتب وضعت على الأرض، وكان الراديو الخشبي العتيق على الأرض أيضاً قرب رأسي، حين تابعت صوت احدى المذيعات تتحدث عن إطاحة الحكم الملكي في العراق، وإسقاط حكومة نوري السعيد، الذي نجح الاذاعي أحمد سعيد في شيطنته حتى أضحى عدواً يتمنى المصريون زواله.

لم تكن ثورة العراق مفاجئة للمصريين، فقد كانوا ينتظرونها، ويترقبون أخبارها، تحت تأثير الحاح إعلامي مصري، استهدف تقويض مشروع حلف عسكري في الشرق الأوسط ضغطت الولايات المتحدة على مصر من أجل الانضمام اليه، لكن مصر رفضت بإصرار، وأعلن العراق انضمامه الى الحلف الذي حمل اسم “حلف بغداد”. قفزت من فوق المراتب وخرجت من الغرفة مهرولاً لأخبر أبي بما جرى في العراق، فوجدته يجلس فوق مقعد وحيد في غرفة خالية من الأثاث، يبدي بعض ملاحظاته على دهانات الجدران والأبواب.

في تلك الفترة وبسبب صيف شديد الحرارة، اعتدنا أن نتناول عشاءنا فوق سطح منزلنا، بصحبة جهاز الراديو العتيق، واعتدنا أن نستمع الى أحمد سعيد عبر راديو “صوت العرب”، يشن حملة لا هوادة فيها ضد نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي آنذاك، وكذلك ضد الرئيس اللبناني كميل شمعون الذي طالب بتدخل الولايات المتحدة لحمايته من تدخل مصر في شؤون لبنان حسب قوله، واستجاب الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور فأمر بعملية إنزال لمشاة الأسطول الأميركي فوق شواطئ بيروت عرفت باسم “عملية الخفاش الأزرق” لحماية لبنان من تهديدات عبد الناصر، لكن كميل شمعون غادر منصبه الرئاسي، وقوات أيزنهاور غادرت لبنان، بينما تم انتخاب فؤاد شهاب وكان ناصري الهوى رئيساً للبنان خلفاً لكميل شمعون الذي ناصب مصر العداء.

أجواء حماسية طغت على المصريين احتفاء بثورة العراق، فيما استعرت حملات الاعلام المصري ضد الرئيس اللبناني كميل شمعون، الذي ترك منصبه بعد ثلاثة أشهر فقط من الثورة العراقية.

كنت أنصت (إجبارياً) الى برامج أخبارية وسياسية في راديو “صوت العرب”، وبينما ينهمك أبي وأمي في متابعة الأوضاع في العراق ولبنان عبر الإذاعة، كنت أستمتع بالتهام أفضل كبدة وألذ مخ مع سلطة طحينة فاخرة يعدها أبي بنفسه.

كان العدوان الثلاثي على مصر في أعقاب قرار عبد الناصر بتأميم قناة السويس، أول تجربة حرب أعيشها، كنت قد جاوزت الخمس سنوات بقليل، حين اشتعلت المنطقة بأجواء الحرب.

كنت أستطيع أن أرى كوبري إمبابة الاستراتيجي من الشرفة، وكان يمثل هدفاً استراتيجياً لغارات الإنكليز حيث يمر عبر هذا الكوبري خط السكك الحديدية الوحيد بين شمال مصر وجنوبها (بين البحري والقبلي)، وسط الظلام الدامس، كان متطوعون يجتازون الشوارع للتأكد من التزام السكان بإطفاء الأنوار، كانوا يعرفون البيوت بأسماء ساكنيها، وينادون من لا يلتزم منهم بالإظلام التام، ومع ذلك فقد كان بوسعي أن أرى من بيتنا القنابل المضيئة التي تسقطها الطائرات الانكليزية فوق كوبري إمبابة لتسهيل استهدافه.

سمعت صفارات الانذار مراراً أثناء الحرب، ورأيت الجيران يهرولون باتجاه مخابئ أقيمت تحت حدائق كورنيش النيل الذي كان قد افتتح قبل بضعة أشهر، لكننا في بيتنا لم نذهب مطلقاً الى المخابئ، لأسباب لم أتعرف عليها حتى الآن، هل كانت ثقة في متانة البيت وقدرته على الصمود، أم كان إيماناً مغمض العينين بالقضاء والقدر وبأنه “قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا”؟ لا أعرف، لكن راديو “القاهرة” كان يذيع أثناء الغارات أغنية فايدة كامل “دع سمائي فسمائي محرقة.. دع مياهي فمياهي مغرقة.. واحذر الأرض فأرضي صاعقة”. ويجلجل صوت فايدة كامل التي أصبحت نائبة بالبرلمان، لاحقاً وتزوجت من وزير الداخلية النبوي اسماعيل، الذي اغتيل الرئيس السادات في عهده: “هذه أرضي أناااااا وأبي ضحى هنااااااا

وأبي قال لنااا. مزقوا أعداءنا”.

وبينما نعالج في بيتنا الإظلام القسري وتوابعه، باستخدام لمبه “سهاري” صغيرة جداً مثل لمبة الدراجة، تنشد أم كلثوم: “والله زمان يا سلاحي.. اشتقت لك في كفاحي.. إنطق وقول أنا صاحي.. يا حرب والله زمان”.

عبد الوهاب دخل ساحة المقاومة بأغنية تدعو الى التبرع لشراء السلاح، من تلحينه وكلمات الشاعر مأمون الشناوي، يقول مطلعها: “زود جيش أوطانك.. واتبرع لسلاحه.. علشاني وعلشانك بيضحي بأرواحه”.

أما النشيد الذي نقلته الحرب الى طوابير الصباح في المدارس المصرية، فهو نشيد “الله أكبر” من كلمات الشاعر عبد الله شمس الدين وألحان الموسيقار محمود الشريف، وكان مطلع النشيد يقول :

“الله أكبر فوق كيد المعتدي.. والله للمظلوم خير مؤيد

أنا باليقين وبالسلاح سأفتدي..

بلدي ونور الحق يسطع في يدي

قولوا معي.. قولوا معي

الله.. الله.. الله أكبر… الله فوق المعتدي”.

اعتدت لاحقاً أن أستمع الى نشيد “الله أكبر” في المدرسة الواقعة بالطابق الأسفل من منزلنا، وارتبطت معظم قضايا الوطن عندي بأغنيات خلدتها.

احدى هذه الأغنيات شدت بها أم كلثوم بمناسبة ثورة العراق في يوليو ١٩٥٨، كانت أغنية “بغداد يا قلعة الأسود”، ويروي الاذاعي الراحل وجدي الحكيم قصة ولادة هذه الأغنية، وكيف تطورت من رغبة لدى الرئيس عبد الناصر بأن تقول أم كلثوم شيئاً بهذه المناسبة التي انتظرها طويلاً، واعتبر حدوثها مؤشراً على انتصار فكرة الثورة، لكن أم كلثوم رفضت أن تتحدث بكلمة عادية عبر الإذاعة، وقالت للمسؤولين: إقرأوها أنتم. وبعد جدال طويل بلا فائدة، قالت أم كلثوم: “حسناً.. اذهبوا بهذا الكلام الى الشاعر محمود حسن اسماعيل واطلبوا منه أن يحوله الى شعر”. وبعد الحاح وافق محمود حسن اسماعيل عندما علم أن تلك هي رغبة أم كلثوم. وكتب القصيدة التي قالت أم كلثوم ان رياض السنباطي هو من يلحنها، لكنها كانت في خصومة معه، وأخفقت كل محاولات قيادات الاذاعة المصرية في اقناع السنباطي بتلحين القصيدة لتغنيها أم كلثوم، إذ كان في قطيعة معها، ولم يرَ المسؤولون في الإذاعة بداً من مخاطبة رئاسة الجمهورية، ليتحدث جمال عبد الناصر بنفسه الى رياض السنباطي طالباً منه تلحين القصيدة لتغنيها أم كلثوم، ووافق السنباطي بالطبع، لكنه اشترط لاحقاً على رجال الإذاعة أن يتم ذلك من دون أي تواصل بينه وبين أم كلثوم. تقول مقدمة القصيدة التي ألهبت مشاعر العراقيين:

بغـــــداد يا قلعة الأسود

يا كعبة المجد والخلود

يا جبهة الشمس للوجود

سمعت في فجرك الوليد

توهج النار في القيود

ويبرق النصر من جديد

يعود في ساحة الرشيد

وتختتم أم كلثوم القصيدة بمقطع يقول:

قد آذن الله في علاه

أن ينهض الشرق من كراه

ويرحل الليل عن سماه

وتسطع الشمس من جديد

بــــغداد يا قلعة الأســــود.

تجاوز أثر هذا النشيد، حدود ما توقعه عبد الناصر منه، وبدا العراق بعد ثورة عصفت بالحكم الملكي وبحكومة نوري السعيد، وكأنما تؤهله الأقدار للانضمام الى دولة الوحدة التي كانت قد قامت قبل خمسة شهور فقط بين مصر وسوريا، تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة.

شارك المقال