جاء الرد الاسرائيلي على إيران منسجماً مع مساعي إدارة جو بايدن “الراحلة”، التي تمكنت من “فرملة” خيارات بنيامين نتنياهو “المجنونة”، وجعلته يسير في الاتجاه الذي نسقته معه في “ربع الساعة” الأخير قبيل الانتخابات الرئاسية، ما يوحي بأن رئيس الحكومة الاسرائيلية إختار التريث الموقت، و”تسليف” كامالا هاريس مسبقاً، تحسباً لإمكان وصولها الى البيت الأبيض، وذلك تأجيلاً لأي ضربات قاصمة، في حال تطورت المواجهة المباشرة بين طهران وتل أبيب.
ونقلت وسائل الاعلام عن مصادر أميركية التزام نتنياهو بتوجيهات الادارة الأميركية، خلال الرد الاسرائيلي على إيران، وذلك للمرة الأولى منذ بداية العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، وذلك بعدما عمل الرئيس بايدن وفريقه للأمن القومي مع الاسرائيليين خلال الأسابيع الماضية لتشجيعهم على رد يتسم بالتناسب والدقة. إذ ناقش بايدن الوضع مع نتنياهو الأسبوع الماضي، وحثه على اتخاذ إجراءات تردع الهجمات على إسرائيل، مع الحرص على تجنب المزيد من التصعيد، وهو هدف مشترك بين الطرفين، كما أكد له أنه في حال ردت إيران، فإن الولايات المتحدة مستعدة تماماً للدفاع عن إسرائيل، وأن إيران ستواجه عواقب نتيجة أي هجوم آخر، معتبراً أن الرد الاسرائيلي يجب أن يكون خاتمة للتبادل المباشر للضربات بين الجانبين.
وهذا ما تحقق فجر السبت، إذ أعلن مسؤولون إسرائيليون أن الخطط الأولية، التي تم تطويرها فور إطلاق إيران لموجات من الصواريخ الباليستية على إسرائيل في أوائل الشهر الجاري، تضمنت ضربات على أهداف مرتبطة بصناعة الطاقة الايرانية والمشروع النووي. ولكن بينما كانت إسرائيل تخطط، حثتها الولايات المتحدة على عدم ضرب أي من مواقع الطاقة والنفط أو المنشآت النووية الايرانية، خوفاً من أن تؤدي الهجمات على مثل هذه المواقع القيمة إلى رد فعل إيراني متزايد، وزعزعة استقرار الاقتصاد العالمي وإشعال حرب إقليمية شاملة قد تجتذب الولايات المتحدة. ولفت المسؤولون الاسرائيليون إلى أن إسرائيل قررت في النهاية مهاجمة الدفاعات الجوية حول العديد من منشآت الطاقة، لكنها لم تستهدف المنشآت نفسها.
وأعلنت إسرائيل أنها قصفت أنظمة دفاع جوي وقواعد الصواريخ والطائرات المسيّرة ومواقع إنتاج الأسلحة، وبذلك حيّدت المنشآت النفطية والمواقع النووية، وكذلك الشخصيات السياسية والعسكرية، واكتفت بمواقع عسكرية، كما فعلت إيران عندما قصفتها في الأول من الشهر الجاري. وفي هذا المعطى، بعثت تل أبيب رسالة لطهران بأنها لا تريد التصعيد، وأرضت واشنطن التي كانت تخشى هجمات أوسع وأكثر قوة.
وتحدثت تقارير عن أن المواقع التي استهدفتها إسرائيل شملت الدفاعات الجوية في مجمع “بندر الامام الخميني للبتروكيماويات” المترامي الأطراف في محافظة خوزستان، والميناء الاقتصادي الرئيسي “بندر الامام الخميني” المجاور له، ومصفاة “عبادان” النفطية، إضافة إلى استهداف أنظمة الدفاع الجوي في مصفاة حقل الغاز “تانجي بيجار” بمحافظة إيلام. وكشف مسؤولون إسرائيليون أنه إضافة إلى ضرب الدفاعات حول مواقع الطاقة، أدت هجمات إسرائيل فعلياً إلى تدمير 4 أنظمة دفاع جوي من طراز “إس-300” كانت إيران تمتلكها بالفعل، إذ عطلت إسرائيل واحدة في نيسان بهجوم على قاعدة عسكرية في محافظة أصفهان، وثلاثة في هجوم السبت في مطار “الامام الخميني الدولي” في طهران، وقاعدة الصواريخ على مشارف العاصمة. ومع ذلك، أشار اللواء احتياط غيورا آيلاند، رئيس مجلس الأمن القومي سابقاً إلى أن إيران ما زالت تمتلك عشرات الأنظمة الدفاعية المتوسطة والقصيرة المدى، مضيفاً أن استثناء المنشآت النووية والنفطية كان قراراً صائباً، وأن تدمير الدفاعات الجوية سيضعف قدرة إيران على الردع مستقبلاً.
وتشكل منشآت الطاقة التي تعرضت دفاعاتها للقصف أهمية بالغة للاقتصاد الايراني المتعثر، والذي عانى من العقوبات الأميركية والتضخم ومشكلات أخرى لسنوات. كما تعد محافظة خوزستان في جنوب إيران، موطناً لمعظم حقول النفط والغاز في البلاد، في حين يعد “مجمع بندر للبتروكيماويات” أكبر مجمع من نوعه في إيران، حيث ينتج ملايين الأطنان من المنتجات البترولية سنوياً للتصدير. أما مصفاة “عبادان” فتعد أكبر مصفاة نفط في إيران بالقرب من الخليج العربي، وتبلغ طاقتها 360 ألف برميل من النفط الخام يومياً.
في المحصلة، أعلنت إسرائيل أن “المهمة أنجزت”، وإن كانت هددت بضربات جديدة إذا ردت إيران عليها، معتبرة أنها باتت “تتمتع بهامش تحرك أوسع في أجواء إيران”.
بعدما تجاوب نتنياهو مع بايدن، ما هي “جائزة الترضية” التي سيحصل عليها كـ “مكافأة” له على “هندسته” للضربات؟


