هي الحرب لمن لا يعرف معناها وإنها الحرب لمن لا يحسب حساباتها كما وأنها الحرب لمن لا يعرف إجرام إسرائيل الأعمى، عندما يبطش بالبشر والحجر ليحوّل الجنوب والضاحية إلى دمار، ويكبدنا أثماناً باهظة بأرواح شبابٍ لبنانيين، ويفرض علينا نزوحاً قسرياً من بيوت لا نعرف متى سنعود إليها، إلا أن إجرامه الأرعن لا يتوقف هنا، ولأنه عدو طائش لا تبصر ولا روية في ظلمه يتجرأ ليطال صحافيين عزلاً يقومون بعملهم في تغطية الأحداث ولا يحملون صفة أخرى تدفعه الى استهدافهم سوى كلمةpress على ثيابهم وخوذاتهم وسياراتهم، ومن هنا يُعتبر هذا الاستهداف بصريح العبارة جريمة حرب عن سابق إصرار وترصد.
ليست المرة الأولى التي يصوّب فيها العدو نيرانه باتجاه الصحافيين، فتاريخ الاجرام الاسرائيلي مع الصحافة لم يبدأ من هذا الاستهداف، لكنه هذه المرة غدر بهم وهم نيام، فبعد الانتهاء من عملهم ليرتاحوا ويخلدوا الى النوم، قامت إسرائيل بقصف مقر إقامتهم ليستشهد ثلاثة منهم ويصاب عدد كبير، ويصبح المكان الذي استضافهم فيه أهل حاصبيا والذي اعتبروه آمناً، مدمراً.
وكانت السيارات التي تحمل كلمة “صحافة” بالانكليزية مغطاة بالغبار والركام خارج المبنى المنهار.
ومع أن حرية الصحافي وحياته مصانتان من خلال المادة 79 من البروتوكول الاضافي الملحق باتفاقية جنيف 1949 لحماية المدنيين في النزاعات العسكرية، والتي نصت على أن الصحافيين المدنيين الذين يؤدون مهماتهم في مناطق النزاعات المسلحة يجب احترامهم ومعاملتهم كمدنيين، وحمايتهم من كل شكل من أشكال الهجوم المتعمد، شريطة ألا يقوموا بأعمال تخالف وضعهم كمدنيين، إلا أن المفوضية السامية لحقوق الانسان لاحظت تزايداً في عدد ونطاق الاعتداءات التي تطال السلامة البدنية للصحافيين والعاملين في مجال الاعلام.
هي مهمة من ضمن مهام أسندت الى المفوضية السامية لحقوق الانسان، وهذا الصحافي الانسان وهو الأب والابن والأم والبنت، الذين يخاطرون بحياتهم ويقفون في مناطق النزاع، للقيام بوظيفتهم الاعلامية والتي يعتبرونها واجبهم تجاه الناس، من واجبنا كمجتمع ودولة وكمفوضية وغيرها من أصحاب المسؤولية أن نقوم بواجبنا ودورنا المطلوب للضغط من أجل حمايتهم في أي صراع، ولا تكفي فقط الإدانات والتي أتت من كل حدب وصوب مستنكرةً ما حصل للصحافيين في حاصبيا، إنما المطلوب إجبار وإرغام كل من يحاول إيذاء أي صحافي على التفكير قبل الإقدام على فعلته وإلا فعقابه كبير، حتى لو كانت إسرائيل التي يحميها الجميع ولا يستطيع لبنان طلب محاكمتها على أفعالها الإجرامية، والتي عللت فعلتها تلك بقولها: إن الغارة التي أودت بحياة ثلاثة صحافيين في حاصبيا بلبنان وآخرين جرحى كانت موجهة الى مبنى عسكري تابع لـ “حزب الله”.
دائماً التبرير نفسه، دائماً الترداد نفسه، لكل من يصوّب على الصحافي، لكن الصحافة مهنة الشرفاء ، والعين التي لا يقلعها مخرز والكلمة التي لا تخضع ولا تذعن لقاتل.


