الضربة الاسرائيلية على إيران ومفهوم الأمن القومي

عبير بشير
اسرائيل وايران

لم تقدم تل أبيب عرضاً عسكرياً بصرياً مبهراً كما كان متوقعاً، في هجومها الأخير على طهران، بل وصفت العملية بـ “الهجوم الدقيق ضد أهداف عسكرية في إيران”، حسب الصياغة المحسوبة للمتحدث بلسان الجيش الاسرائيلي دانيال هاغاري، وهو ليس الهجوم المباشر الأول بينهما.

وبالتأكيد هذه ليست الضربة الساحقة والقاتلة التي توعدت بها تل أبيب طهران، والتي ستغير خريطة المنطقة، رداً على الهجوم الباليستي الايراني على تل أبيب مطلع تشرين الأول، وهي بالتأكيد ليست “الحرب الشاملة” التي رافقنا ظلها طوال الوقت.

ويبدو أنه، حسب الردود العلنية في إيران، انتهت بهذا جولة “الثأر” التي انتظرت أكثر من ثلاثة أسابيع من أجل إنضاجها.

العملية العسكرية تمت هندستها والتخطيط لها وملاءمتها من الولايات المتحدة وإدارة بايدن- هاريس، والأكثر دقة، إملاؤها من واشنطن، وضبطها على ساعة الانتخابات الرئاسية الأميركية، والاعتبارات الاقليمية مثل التداعيات المحتملة للهجوم على دول المنطقة.

وكان في غاية الأهمية لإدارة بايدن – هاريس، عشية الانتخابات الرئاسية، منع نشوب حرب إقليمية ومنع ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة لضرب البنية التحتية الخاصة بالنفط لدى إيران.

العملية العسكرية الاسرائيلية، بقيادة المايسترو الأميركي، كانت جراحية إستراتيجية، أكثر من كونها استعراضية، وشملت ضرب منشآت إيرانية لتصنيع الصواريخ، ومعامل خلط الوقود الصلب للصواريخ الباليستية في موقع “بارشين” العسكري، وأنظمة الدفاع الجوي قرب طهران التي تحمي أماكن حيوية، فيما حيّدت إسرائيل المواقع النفطية والنووية الايرانية، وامتنعت عن ضرب البنى التحتية العسكرية بصورة واسعة، بطلب مباشر من الرئيس بايدن، وإلا فستكون إيران ملزمة برد قوي، يضع المنطقة في معركة استنزاف كبيرة من حيث الرد والرد المقابل أو حرب إقليمية.

ما أثبتته الضربة الاسرائيلية على إيران، هو قدرة الولايات المتحدة الأميركية على فرملة الاندفاعة الاسرائيلية، التي لمحت على لسان مسؤوليها إلى نيتها استهداف البرنامج النووي الايراني ومواقع نفطية .

كانت كلمة السر في السؤال الذي ألقاه أنتوني بلينكن على بنيامين نتنياهو خلال زيارته تل أبيب، لمناقشة الخطوط العريضة للضربة الاسرائيلية: ما هي قدرة الشعب الاسرائيلي على تحمل ثمانية آلاف صاروخ تضرب في المدن الاسرائيلية كافة دفعة واحدة وتتركز على تل أبيب؟ في حال تم استهداف المواقع النووية الايرانية، ستتمكن منظومة “ثاد” من اعتراض المئات ولكن ماذا عن آلاف الصواريخ؟

تعودت إسرائيل القول، إنها ستعمل وحدها ضد إيران عند الحاجة، ولكن في الحقيقة تحتاج إلى الامكانات العسكرية الأميركية الهائلة والعملاتية لتنفيذها أي هجوم ساحق على إيران أو على مواقعها النووية، وعلى سبيل المثال وليس الحصر، الحصول من الولايات المتحدة على قاذفات استراتيجية بعيدة المدى، قادرة على إلقاء قنابل تخترق التحصينات، وتزن 15 ألف كيلوغرام، وتحلّق على ارتفاع كبير، بحيث لا تستطيع منظومة الدفاع الايرانية الوصول إليها. ولا يقل أهمية، تحتاج إلى شبكة صواريخ أميركية لحماية الجبهة الداخلية الاسرائيلية من آلاف الصواريخ الايرانية.

غير أن إسرائيل وعلى لسان أكثر من مسؤول فيها، طالبت باستغلال خوف الادارة الأميركية من ردها الساحق على إيران من أجل الحصول على تنازلات جوهرية من واشنطن. أحد الديبلوماسيين فيها قال: “إذا تنازلت إسرائيل عن حقها في الرد على إيران، فهل من الممكن أن نجعل الرئيس بايدن يوافق على خطة الجنرالات وإعلان شمال غزة منطقة عسكرية مغلقة، وبعد ذلك مقايضة الأرض في مقابل تحرير الرهائن الذين تحتجزهم حماس، أو هل سيمكننا الحصول على تعهدات من الرئاسة الأميركية بالتدخل عسكرياً ضد المنشآت النووية في إيران في اللحظة التي يجري فيها تخصيب اليورانيوم فوق 60 درجة؟”.

على كل حال، وبالنسبة الى النظام الايراني، هناك عنصران مركزيان في مفهوم الأمن الايراني سيستوجبان من طهران إعادة النظر:

الأول، العملية العسكرية الجراحية ضد إيران مؤخراً، التي أظهرت نجاعة قدرات إسرائيل الجوية والعملاتية، وحجم ترهّل الدفاعات الجوية في مواجهة مائة وأربعين طائرة إسرائيلية شاركت في الهجوم، وضربة إسرائيلية دامت نحو 4 ساعات وشملت عشرين موقعاً عسكرياً إيرانياً، هرتسي هاليفي رئيس هيئة الأركان الاسرائيلي، قال: “أظهرنا جزءاً من قدراتنا فقط، ولدينا القدرة على فعل ما هو أكبر بكثير.. كانت رسالة واضحة”، مضيفاً: “نعرف كيف نصل، ونضرب أي تهديد في أي مكان وفي أي وقت”.

الثاني: مفهوم الوكلاء الاقليميين، بعد تعرض الذراع الاستراتيجية المركزية في الاقليم وهو “حزب الله”، الى ضربات بنيوية هائلة، بعد هجوم “البايجرز”، واغتيال أمينه العام حسن نصر الله، ومعظم القيادات العسكرية في الصف الأول للحزب. وقد لخص وزير الدفاع الاسرائيلي يوآف غالانت مفهوم الوكلاء الاقليميين: “إن إيران لم تعد قادرة على استخدام حركة حماس في قطاع غزة وحزب الله كأداتين فاعلتين ضد إسرائيل”.

وكتبت حنين غدار، الخبيرة اللبنانية في شؤون “حزب الله”، والتي تعمل في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أن الايرانيين سيحتاجون إلى سنوات لإعادة بناء قدرات “حزب الله” العسكرية. وأشارت إلى أن نصر الله كان همزة الوصل الرئيسة بين الحزب وإيران، وبالنسبة إلى كثير من الشيعة اللبنانيين، كان نصر الله شخصية أبوية حامية ومعيلة، وسيضطر خليفته – نعيم قاسم – إلى مواجهة أيام صعبة في التنظيم.

شارك المقال