رفعني أحد الأقارب فوق منكبيه لأتمكن من رؤية جمال عبد الناصر وشكري القوتلي بينما كانا يستقلان سيارة مكشوفة عبر كورنيش النيل، في مناسبة توقيع اتفاق الوحدة بين مصر وسوريا في ٢٢ فبراير (شباط) عام ١٩٥٨، كان المشهد مثل الظرف مشحوناً بالعواطف، بينما كانت الصحف المصرية تحتفي على طريقتها، بشكري القوتلي فتطلق عليه اسم “المواطن العربي الأول”.
أنا من جيل “وحدة ما يغلبها غلاب.. توصلنا م الباب للباب”، لم يكن التلفزيون قد وصل الى مصر بعد، لكن عبد الناصر كان أكثر تأثيراً من كل تلفزيونات الدنيا، كان قادراً بمجرد ظهوره، على استثارة حماس شعوب العرب جميعاً من دون استثناء. زعامة عبد الناصر كانت في بعض الأحيان أكبر من الحقائق، التي أنتجتها، وبقدر ما كان ذلك رائعاً ومؤثراً، الا أنه كان أيضاً مثل حلم كبير يحجب حقيقة أكبر منه.
ذهبنا بالعاطفة وحدها الى وحدة اندماجية كاملة، تخلينا فيها بكل الإيثار وبكل حسن النية، حتى عن أسمائنا، فما عادت سوريا هي سوريا، بل الاقليم الشمالي، ولا عادت مصر هي مصر، بل الاقليم الجنوبي، واندمج الاقليمان معاً تحت اسم واحد هو الجمهورية العربية المتحدة.
حجم الحلم بالوحدة، كان أكبر من قدرتنا على تحقيقه، أو حمايته والمحافظة عليه. لم يكن الاستغراق في الحلم هو أكبر خطايا الوحدة، التي قادتنا لاحقاً بعد ثلاثة وأربعين شهراً فقط، الى مشهد انفصال ما زال النظام الاقليمي العربي يسدد فاتورته حتى الآن. غياب الحسابات كان أكبر الخطايا، فقد ذهب الحالمون الى الحلم مغمضي الأعين، أو حتى معصوبي الأعين في بعض الأحيان، وكان طبيعياً أن تتلقفهم حفر وضعها في طريقهم مبصرون لا يريدون لهذه الوحدة أن تستمر.
في الثامن والعشرين من سبتمبر (أيلول) عام ١٩٦١، انهارت الوحدة بين مصر وسوريا، بجيشان المشاعر نفسه الذي صاحب قيامها في ٢٢ فبراير ١٩٥٨، كنت مذهولاً وسط أسرتي المذهولة أيضاً نلتف حول الراديو الذي يبث بياناً يلقيه جمال عبد الناصر بمناسبة ما أسماه “نكسة الانفصال” قال فيه: “ان طعنة العدو تجرح الجسد، أما طعنة الصديق فهي تمزق القلب”.
دوافع الوحدة عاطفية جداً، وأجواء الانفصال عاطفية أيضاً، هذا ما تبينته لاحقاً حين غادرت عالم الطفولة وطرقت أبواب الشباب.
كان حلم عبد الناصر بوطن عربي كبير من المحيط الى الخليج، أكبر بكثير جداً من جاهزية الأمة كلها لا لتحقيقه، بل حتى للالتفاف حوله. فقد كانت الفكرة القومية ذاتها تواجه مقاومة عنيفة أحياناً، ومداهنة في أحيان أخرى، بينما كان يجري تجهيز بديل إسلامي للقومية العربية.
بعض العرب جاهر بعداء فكرة القومية العربية، واعتبر أن الحديث عن الوحدة العربية ينطوي على محاولة لابتلاع أقطار عربية من أقطار عربية أخرى، فيما داهن البعض الآخر لكسب الوقت، لكن الحرب ضد وحدة مصر وسوريا بدأت مبكرة جداً، ربما في اليوم التالي لإعلان الوحدة.
الذين طرحوا الوحدة الاسلامية بديلاً من الوحدة العربية، كانوا يعرفون سلفاً أنهم يلاحقون سراباً، لكنهم كانوا يريدون في الحقيقة إغراق القومية في بحور الدين، باعتبار أن عباءة الدين أوسع بكثير من عباءة القومية، وللإنصاف فقد نجح مسعاهم، اذ انهارت الوحدة ثم تراجعت الدعاوى القومية.
تراجع حلم الدولة العربية الواحدة، أمام حلم الخلافة الاسلامية. كلا الحلمين كان فضفاضاً أو وهمياً أو موهوماً، فالمادة الأولية للحلمين معاً لا وجود لها حتى الآن. فلا العروبة هي العروبة، ولا الاسلام هو الاسلام، كلاهما مختطف، وكلاهما رهينة، بل إن كليهما ربما بدوا في بعض الأحيان ضحية للآخر.
كان شكري القوتلي، هو المواطن العربي الأول والأخير.. فمنذ حمل الرجل هذا اللقب الفخم الضخم الثقيل، ضاقت كواهل العرب جميعاً بأثقال المواطنة، فما استطاع بلد عربي واحد أن يحملها بصدق وبأمانة، تماماً كما ضاق العرب بفكرة العروبة، وقد سمعت الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح يدافع عن تغيير اسم الجمهورية العربية اليمنية في الدستور اليمني ليصبح اسمها الجمهورية اليمنية، قال علي صالح ان “اليمن هو رحم العرب، وليس بحاجة بالطبع الى تأكيد عروبته”.
الحديث عن العروبة كإطار جامع للعرب يتراجع، أما الحديث عن الاسلام كإطار أوسع يجمع العرب مع سواهم من الدول الاسلامية، فهو يتراجع كذلك تحت وطأة خطاب ديني بات متهماً بإنتاج “القاعدة” و”داعش”، وما يتبقى هو الحديث عن الدولة الوطنية، التي باتت حلماً شديد التواضع وصعب المنال في الوقت نفسه، فالدولة الوطنية تتمزق الآن بأعلى تجليات التمزق.
مهمة بناء الدولة الوطنية العربية، هي الآن أعقد المهام وأصعبها وأكثرها الحاحاً. انسوا حلم الوحدة العربية الآن، وانسوا أوهام الخلافة الاسلامية أيضاً، واهتموا بمحاولة إنجاز الممكن قبل أن يصبح مستحيلاً.
الممكن الذي ينبغي ان ننشغل بمحاولة انجازه الآن، هو أن نستعيد سوريا موحدة، والعراق موحداً وليبيا موحدة واليمن موحداً، وأن ننقذ باقي البلدان العربية من التمزق.
المواطنة هي السبيل الوحيد لحماية وحدة كل بلد عربي، وقدرته على البقاء. لكن إنجاز حلم “دولة المواطن” ما يزال فيما يبدو أصعب من ان تنجزه اجهزة حكم، تتصور ان من يهدد صميم بقاءها هو “المواطن”.
ليس مهماً ان يقول دستور دولتك أنها عربية وأنها جزء من أمة عربية، المهم الآن أن يقول اداء الحكم في كل بلد عربي، ان المواطن هو سيد في وطنه، بغض النظر عن دينه او عرقه او طائفته او مذهبه او ثروته او الحزب الذي ينتمي اليه.
الوحدة التي يصنعها مواطنون لا رعايا، تعيش وتبقى وتتحدى الزمن، فلا تكفي المشاعر، ولا العواطف، ولا الأمنيات وحدها لتحقيق إنجاز وحدوي حقيقي.
المواطن بحق هو المادة الأولية لوحدة وطن، يستطيع بخيارات مواطنيه، ان يبني وحدة حقيقية ما يغلبها غلاب.


