“إن الشريط الذي يبلغ طوله ثلاثة كيلومترات، والذي أطلق عليه الحزام الأول، يتقدم في عملية تطهيره من البنية التحتية الهجومية لحزب الله”. هذا ما قاله وزير الدفاع الاسرائيلي يوآف غالانت لصحيفة “فايننشال تايمز”، لكنه عاد ليؤكد أن الهجوم البري الذي تشنه قواته على لبنان سيستمر ما دامت هناك حاجة إليه. كلام وزير الدفاع الاسرائيلي يحدد بوضوح أهداف العملية البرية التي بدأ جيش العدو الاسرائيلي شنها منذ بداية الشهر الماضي، والتي لا يمكن إعتبارها وفقاً للمعايير العسكرية، مقدمة لمحاولة إجتياح بري واسع، لأنه لن يغامر بذلك، بعدما أخذ العبرة من الدرس الميداني الذي تلقنه عام 2006، ما جعله يدفع ثمناً باهظاً أرغمه على الإنسحاب وبالتالي الرضوخ للقرار الأممي 1701.
لكن البديل عن الاجتياح البري الواسع، هو عمليات “مركبة” بين العمليات البرية والقصف الجوي التدميري المركز، الذي بدأ اعتماده منتصف تشرين الأول الماضي، بهدف تحويل المنطقة الحدودية مع إسرائيل إلى أرض محروقة بالكامل، تمهيداً لاعلانها “منطقة عازلة”، إذ منذ إعلان إسرائيل بدء ما وصفته بعملية برية محدودة في الجنوب، عمدت قواتها إلى تفجير عشرات المنازل اللبنانية على الحدود، حيث سبّبت عمليات تفخيخ وتفجير واسعة نفّذها الجيش الاسرائيلي، في بلدتَي ديرسريان والعديسة، ارتجاجات أرضية شعر بها سكان البلدات المجاورة، وظنوا لوهلة أنها زلزال. ويبرر الجيش الاسرائيلي همجيته التدميرية بالقول: “إن الهدف هو إضعاف جماعة حزب الله اللبنانية، ودفعها بعيداً عن الحدود وإنهاء التصعيد بين الجانبين، الذي اندلع منذ أكثر من عام”. فقد أحدثت الطائرات الحربية الاسرائيلية والقوات البرية دماراً هائلاً في جنوب لبنان خلال الشهر الماضي، وأفادت “الوكالة الوطنية للاعلام” أمس بأنه “في إطار الحرب التدميرية التي يشنها العدو الاسرائيلي على لبنان عموماً والجنوب خصوصاً، والغارات والأعمال العسكرية التدميرية، يقوم جيشه بتفخيخ وتدمير أحياء في مدن وبلدات بكاملها، بحيث أن اكثر من 37 بلدة تم مسحها وتدمير منازلها، وأن اكثر من 40 ألف وحدة سكنية دمرت تدميراً كاملاً، وهذا يحدث في منطقة بعمق ثلاثة كيلومترات تمتد من الناقورة حتى مشارف الخيام”.
وللتعرف على تلك البلدات والقرى المدمرة بالكامل، بات يعتمد على صور الأقمار الاصطناعية، ومقاطع الفيديو التي ينشرها الجيش الاسرائيلي، أو جنود إسرائيليون على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أصبح الوصول إلى المنطقة غير متاح، بحيث أظهر العديد من صور الأقمار الاصطناعية الحديثة لا سيما في بلدات رامية وعيتا الشعب وبليدا وحيبيب و7 قرى أخرى، أن القوات الإسرائيلية تسعى الى فرض سيناريو شبيه بما حصل في قطاع غزة، ما دفع الخبراء الى الإجماع على أن الجيش الاسرائيلي يهدف من استراتيجية التدمير الكلي للبلدات الحدودية، وحتى إحراق الأشجار فيها والقضاء على كل مظاهر الحياة، إلى تحويلها لمنطقة عازلة تضمن أمن سكان المستوطنات شمال إسرائيل، مع ترجيح أن يكون هذا المخطط يراعي منع إعمارها من جديد حتى بعد وقف إطلاق النار.
كما أكد عدد من الخبراء أن إسرائيل ربما تهدف إلى إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، وهي منطقة يريدها الاحتلال مكشوفةً لا يكون عليها بناء أو عمران وحتى أشجار، لعلمه أن انكشاف هذه المساحة يؤدي إلى كشف أي تهديد محتمل فيما بعد باتجاه مستوطنات الشمال، وتجنّب سيناريو “طوفان الأقصى” من جنوب لبنان. وهي استراتيجية سبق أن نشرتها على طول حدودها مع غزة، علماً أنه عندما سئل الجيش الاسرائيلي عما إذا كانت نيته إنشاء منطقة عازلة، اكتفى بالقول إنه “يشن غارات موضعية محدودة ومحددة الأهداف بناء على معلومات استخباراتية دقيقة ضد أهداف لحزب الله”. ويؤكد الجيش المعادي أن “القصف ضروري لتدمير أنفاق حزب الله والبنية التحتية الأخرى”، إذ يسعى إلى دفع “حزب الله” بما يكفي حتى يتمكن الاسرائيليون من العودة إلى منازلهم في الشمال. كذلك يزعم بأن قواته عثرت على أنفاق لـ “حزب الله” ودمّرتها تحت المنازل والمباني، في ميس الجبل وكفركلا ومحيبيب وعيتا الشعب، ويدّعي أنه نجح في تدمير قرابة 70% من قدرات “حزب الله”، كما يتفاخر بالقضاء على قيادة “قوة الرضوان”.
وفيما أكدت صحيفة “فايننشال تايمز” أن سلسلة التدمير للقرى تقترح أن تقوم إسرائيل بتنظيف شريط طوله 3 كيلومترات على طول الحدود غير الرسمية بين البلدين، وهو حزام من الأرض يحمل علامات منطقة “عازلة”، أكدت “هيئة البث الاسرائيلية”، أن الجيش الاسرائيلي، بعد شهر من بدء العملية البرية على الحدود اللبنانية، يقترب من نهاية مرحلتها الأولى في جنوب لبنان.
هل فعلاً نجح الجيش الاسرائيلي في تحقيق المرحلة الأولى من العملية البرية، وبالتالي إعادة تمركز ونشر للقوات بما يتناسب والأهداف التي تم تحقيقها (حسب مزاعمه)، ما يجعل المنطقة “العازلة” محسومة وفقاً لحساباته، أم أن تحقيق ذلك الهدف يستوجب تعميق العملية العسكرية في داخل الأراضي اللبنانية في ما يسمى “الخط الثاني”، لفرض المنطقة “العازلة”، وبالتالي إدعاء الانسحاب والتسريح يهدف الى المناورة والتضليل؟


