وسط هذه الظروف الخطيرة التي يعيشها لبنان، والتي تُعتبر مصيرية وربما وجودية بالنسبة إليه، مرت الذكرى الثانية للفراغ الرئاسي – والذي يعكس فراغاً سياسياً – لتذكِّرنا بتفاهة هذه الطبقة السياسية الحاكمة وصفاقتها وفشلها وعجزها، والتي تُعتبَر مسؤولة بصورة كبيرة عن حال النكبة التي نعيشها اليوم كوطن وشعب بالتكافل والتضامن مع “حزب الله” القائد الحقيقي لهذه الطبقة، وذلك عبر إستسلامها له وعدم صدقها وشفافيتها معه من منطلق القول المأثور “صديقَك من صدَقَك لا من صدَّقك”، على الرغم من قناعتنا بأن هذا الحزب لا يصغي إلا الى ما تفرضه عليه عقيدته وإيديولوجيته الدينية والسياسية.
في الوقت نفسه، وفي الاتجاه المعاكس لطينة هذه الطبقة السياسية، مرت الذكرى الـ 80 لولادة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي كان إغتياله في الرابع عشر من شباط عام 2005 هو بداية الطريق إلى النكبة التي نعيشها اليوم، والذي لا يزال اللبنانيون يتذكرونه خصوصاً في الملمات والأزمات الكبرى كما هي الحال اليوم، وهو الإنسان الوطني المسؤول والمعتدل، والمناقض بمسيرته السياسية والانسانية لكل ما يمت الى هذه الطبقة بصلة، فهم أمراء حرب إنتقلوا من ميادين القتال بعد أن خلعوا ثيابها إلى السلطة من دون أن “يخلعوا” فكرها وممارساتها من رؤوسهم، وهو رجل عمل وعلم أتى إلى السلطة محمّلاً برؤية سياسية معتدلة تجمع ولا تفرِّق متلازمة مع رؤية إقتصادية وعملية لعملية إعمار ما دمرته الحرب على مدى 15 عاماً، ومزوّداً بعلاقات عربية ودولية ساهمت في إنجاح مهمته على صعوبتها، بحيث حقَّق القسم الأكبر منها في زمن قياسي لم يتعدَ الـ 6 سنوات، هي سني حكمه الفعلية قبل أن تنقلب الأوضاع الاقليمية ويتظهَّر الإنقلاب الصريح على إتفاق الطائف بوصول إميل لحود إلى سدة الرئاسة، بعد أن كان قد بدأ خجولاً تحت ضغط الظروف الاقليمية، وذلك بإطلاق يد النظام السوري بعد حرب الخليج الأولى.
هذه الصفات التي تحلى بها الراحل الكبير وهو القائل والعامل بشعار “ما حدا أكبر من بلدو”، هي التي تجعل الناس تتذكره دائماً وسط الظلام الذي نعيش على طريقة “وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر”، وفي وسط العجز والفشل اللذين تبديهما هذه الطبقة السياسية التي تتعامل مع الأحداث بقدرية وبطريقة رد الفعل على طريقة الموظفين لا المسؤولين الذين يجتهدون في محاولة لإبتكار الحلول للأزمات، إن لم يكن محاولة إستباقها لمنعها عن طريق سياسة وقائية تعتمد العقلانية والحكمة في معالجة الأمور.
وهنا لا يمكن لأي منصف أن ينكر الدور الذي لعبه الراحل في مواجهة عدوان 1993 عندما سعى الى إدخال الجيش اللبناني إلى منطقة الجنوب ليكون نواة عودة الدولة إلى هناك، الأمر الذي رفضه يومها النظام السوري وإنبرى إميل لحود ليجعل من نفسه بطلاً مقابل “تخوين” الراحل جراء هذا الرفض والموقف، وهو الأمر – دخول الجيش – الذي يطالب به الجميع اليوم، كذلك عدوان 1996 عندما جال العالم واصلاً الليل بالنهار حتى نجح بعلاقاته في أن ينتزع إعترافاً بحق لبنان بالمقاومة ضد الاحتلال العسكري وتجنيب المدنيين القصف والأضرار، وهذه النقطة الأخيرة لطالما كانت ركيزة لنشاطاته ومساعيه لأن الناس كانت دائماً في طليعة إهتماماته، بعكس ما نراه اليوم حيث تبدو الناس سواء في غزة أو في لبنان في ذيل قائمة الاهتمامات، وهو ما يتجلى بالاستهتار بحياة البشر وأرزاقهم وجنى أعمارهم الذي يدمَّر أمام أعينهم وعلى شاشات التلفزة نتيجة إنذار حقير من كائن أحقر “يتسلى” بالتلاعب والتلذذ بمعاناة أهلنا جراء خروجهم من مناطقهم في منتصف الليل هائمين على وجوههم لا يلوون على شيء في ظل غياب خطط الطوارئ لمثل هذه الظروف، كل هذا تحت شعار “الكلمة للميدان” وهو شعار يذكِّر بشعار عربي آخر كان يقال للتغطية على العجز والفشل في إستنباط الحلول وهو شعار “لا صوت يعلو على صوت المعركة”.
وبالمناسبة وفي هذا الاطار – إطار مصلحة الناس – أقول وأنا لست من أنصار عبادة الشخصية أو التطبيل للزعماء، ولكن من منطلق إعطاء كل ذي حق حقه، يحضرني هنا قول للرئيس سعد الحريري بأن “نقطة دم واحدة تسقط من أي لبناني هي عندي أغلى من كل مواقع السلطة”، وهو مارس بالفعل هذا القول ودفع ثمنه من شعبيته ورصيده السياسي لدى أصحاب الرؤوس الحامية في طائفته، وكذلك قول آخر قاله مرة في معرض الحديث عن الجنوب وأهله بأنه “يطمح الى أن يكون للجنوبي واللبناني بيتان بدل أن يعيد إعمار بيته مرتين”، وهو قول يشعر بقيمته كل من خسر منزله مرة أو أكثر وأعاد إعماره ليعود اليوم ويُدمر مرة أخرى، ناهيك عن أماكن الرزق الأخرى من حقول ومحال تجارية ومكاتب وغيرها.
لا نقول هذا تزكية لأحد ولا تقليلاً من جهد أحد، لكنها وقائع نعرضها عن طبقة سياسية فيها الكثير من السياسيين والقليل من رجال الدولة، الذين من أهم سماتهم النشاط والحركة الدائمة للبحث عن مخارج وحلول للأزمات، لا إنتظار الترياق من الخارج سواءً فرضاً أو توافقاً كما هو جاري اليوم في مسألة الفراغ الرئاسي الذي دخل عامه الثالث، والذي بات عادة لبنانية في حقبة حكم “الشيعية السياسية” المدعومة إيرانياً والتي بدأت فعلياً وتسلمت إدارة البلد من الحقبة السورية مع إنتهاء ولاية إميل لحود آخر رئيس في تلك الحقبة، لينتهي بنا الأمر اليوم في نكبة نتيجة ممارسات ومماحكات سبق لنا وكتبنا الكثير عنها ونبهنا منها، ساهمت فيها غالبية الطبقة السياسية وإن بدرجات متفاوتة، نكبة قد نكون عرفنا بدايتها ولكن لا أحد يمكن أن يجزم أو يتنبأ بنهايتها حتى يقضي الله – أو ربما نتنياهو – أمراً كان مفعولاً.


