“أزمة الثقة التي حلت بيني وبين وزير الدفاع لم تجعل من الممكن استمرار إدارة الحرب بهذه الطريقة”.. هكذا علق رئيس حكومة الكيان الاسرائيلي بنيامين نتنياهو على قرار إقالة وزير الدفاع يوآف غالانت، الذي التقاه في جلسة إستمرت ثلاث دقائق سلمه خلالها كتاب الإقالة، وذلك بعد سلسلة من الخلافات بشأن إدارة الحرب على قطاع غزة ولبنان، وعيّن خلفاً له حليفه الوثيق يسرائيل كاتس لقيادة الحرب في كل من غزة ولبنان.
وقد علل نتياهو خطوته وجود خلافات كثيرة ظهرت بينه وبين غ الانت فيما يتعلق بحرب إسرائيل على قطاع غزة ولبنان، موضحاً “رافقت هذه الفجوات تصريحات وأفعال تخالف قرارات الحكومة، وقرارات المجلس الوزاري المصغر”، مشيراً إلى أنه “في خضم الحرب، هناك حاجة أكبر من أي وقت مضى إلى الثقة الكاملة بين رئيس الوزراء ووزير الدفاع، وللأسف، على الرغم من أن هذه الثقة كانت موجودة في الأشهر الأولى من الحرب وكانت هناك علاقة عمل مثمرة، إلّا أنها بدأت تتلاشى في الأشهر الأخيرة بيني وبين وزير الدفاع”.
وقرار الإقالة لم يكن مفاجئاً، إلا من حيث التوقيت (عشية الانتخابات الأميركية)، بحيث وقعت صدامات بين غالانت ونتنياهو، وكلاهما من حزب ليكود اليميني، على مدار أشهر بسبب خلافات على أهداف الحرب التي تشنها إسرائيل منذ 13 شهراً في غزة ضد حركة “حماس”.
ففي آب الماضي، أجمعت وسائل إعلام إسرائيلية على أن رئيس الوزراء “يحضر الأرضية لإقالة وزير الدفاع يوآف غالانت على المدى القصير”، وأشارت حينها إلى أن الوزير جدعون ساعر زعيم حزب “اليمين الرسمي”، هو أبرز المرشحين لخلافة غالانت.
وأوضحت وسائل الاعلام الاسرائيلية في ذلك الوقت أن نتنياهو يسعى الى إقالة غالانت بسبب “عرقلته توسيع الهجوم على جنوب لبنان”، بينما اعتبرت صحيفة “معاريف” أن نتنياهو يخطط لتفسير عملية استبدال غالانت بادعائه أنه “ليس وزير دفاع هجومياً” بما فيه الكفاية.
وهذه ليست المرة الأولى التي يُقال فيها غالانت من حكومة نتنياهو، إذ انه في العام الماضي، طرحت الحكومة مشروعاً للتعديلات القضائية في إسرائيل، وهو ما عارضه صراحة وزير الدفاع ما أدى إلى صدام بين الرجلين السياسيين، وهذا ما دفع نتنياهو إلى إقالة غالانت إلا أنه تراجع عن القرار بعد نحو شهر على خلفية ضغوط من المتظاهرين وأوقف نتنياهو التعديلات القضائية موقتاً حينها. وفي أيلول الماضي أيضاً ظهرت تقارير تفيد بأن نتنياهو كان يفكر في إقالة غالانت تحت ضغط من شركائه اليمينيين المتطرفين في الائتلاف.
أما عن الخلاف بين الرجلين بشأن حرب غزة، فإن غالانت كان يطالب بإعلان واضح من نتنياهو بخصوص مستقبل الحرب في غزة، ويطلب مناقشة بديل لحركة “حماس” في القطاع، الأمر الذي يرفضه رئيس الوزراء قبل “القضاء عسكرياً على الحركة الفلسطينية”.
كما ينتقد غالانت التأخر في الاتفاق على مستقبل غزة ما بعد الحرب المستمرة منذ أكثر من عام، علماً أنه كان يرفض احتلالاً عسكرياً للقطاع، معتبراً أن ذلك يشكل خطراً على أمن إسرائيل إلى جانب الكلفة المالية والعسكرية والسياسية الباهظة التي لا طاقة لها على تحملها.
إلا أن نتنياهو قال إن “لا جدوى” من الحديث عن اليوم التالي للحرب في غزة طالما كانت حركة “حماس” قائمة، مجدداً تمسكه بالسعي الى تحقيق انتصار عسكري، لأن غير ذلك يعني “هزيمة عسكرية وسياسية ووطنية”، حسب ما نقلت عنه صحيفة “معاريف” الاسرائيلية سابقاً.
وقال نتنياهو إنه غير مستعد “لاستبدال حماستان بفتحستان”، (في إشارة إلى السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل).
بعد ذلك، قال غالانت للجنة مغلقة في الكنيست الاسرائيلي، إن هدف نتنياهو المتمثل في “النصر المطلق” في غزة هو مجرد “هراء”. ثم اتخذ الأخير خطوة غير عادية بإصدار بيان صحافي يتهم غالانت بتبنّي “سرد معادٍ لاسرائيل”.
كما انتقد غالانت إصرار نتنياهو على السيطرة على الممر الحدودي الفاصل بين قطاع غزة ومصر، المعروف باسم “ممر فيلادلفيا”، وقال: “إن إعطاء الأولوية للسيطرة على الممر على وقف إطلاق النار وصفقة المحتجزين، كان عاراً أخلاقياً”.
وإذا كانت الأسابيع الأولى من الحرب على غزة، قدمت قيادة إسرائيل خلالها “جبهة موحدة” عندما ردت على “طوفان الأقصى”، الا أنه مع استمرار الحرب وتوسعها إلى لبنان، ظهرت اختلافات سياسية رئيسية، ففي حين دعا نتنياهو إلى استمرار الضغط العسكري على حركة “حماس”، اتخذ غالانت نهجاً مغايراً، قائلاً: “إن القوة العسكرية خلقت الظروف اللازمة للتوصل إلى اتفاق ديبلوماسي يمكن أن يعيد المحتجزين في قطاع غزة إلى ديارهم”.
لكن التواء هندسة السياسة الاسرائيلية منذ بدء حرب غزة ربطت بين الاثنين، ما منع نتنياهو من إقالة غالانت ومنعه من الانسحاب.
لكن الورقة الأخيرة بالنسبة إلى نتنياهو كانت هذا الأسبوع عندما أصدر غالانت 7 آلاف إشعار تجنيد للرجال من الحريديم (مع ازدياد الحاجة الى جنود الاحتياط بعد أكثر من عام من الحرب)، ما أثار غضب من يعارضون تجنيدهم داخل الحكومة.
وحدّد غالانت بعد إقالته، نقاط الخلاف مع نتنياهو حول ثلاثة مواضيع:
١) إلزامية التجنيد:
“إصراري القوي على أن كل شخص في سن التجنيد ملزم بالخدمة في الجيش الاسرائيلي. هذا الموضوع ليس مجرد قضية اجتماعية، بل هو الأهم لبقائنا ومستقبلنا. إنه يتعلق بأمن دولة إسرائيل والشعب الذي يعيش في صهيون”.
٢) إعادة المحتجزين في قطاع غزة:
“يمكن إعادة المحتجزين، ولكن ذلك يتطلب تنازلات بعضها مؤلم، وإسرائيل ستتمكن من تحمُّل هذه التنازلات، وسيتكفل الجيش الاسرائيلي بتوفير الأمن اللازم لذلك. لن تكون هناك مغفرة للتخلي عن المحتجزين، سيكون هذا وصمة عار على المجتمع الاسرائيلي وعلى أولئك الذين يقودون هذه الطريق الخاطئة”.
٣) تحقيق شامل وموضوعي:
“قلت وأكرر، أنا المسؤول عن منظومة الأمن خلال العامين الماضيين، عن النجاحات وعن الإخفاقات. فقط ضوء الحقيقة والتحقيق الشفاف سيمكناننا من استخلاص الدروس وبناء قوتنا للتصدي لتحديات المستقبل”.
العلاقة بين نتنياهو وغالانت نادراً ما كانت “ودية” وغالباً ما كانت “متوترة”، لكن حسم نتنياهو خياره بإقالة غالانت، يشكل إشارة علنية نادرة الى الانقسامات داخل مجلس الوزراء الحربي الاسرائيلي بشأن اتجاه الحرب، ما قد ينذر بإضطراب وانقسام داخل الائتلاف الحكومي في خضمّ الحرب المتصاعدة، وسط مخاوف من تمددها إلى حرب اقليمية واسعة.
فهل “تحرر” نتنياهو من غالانت يجعله أكثر حرية وطليق اليدين في المضي بخططه “الجهنمية” تدميراً وإبادة وتهجيراً في كل من غزة ولبنان، أم أن قرار الإقالة سيخلق له أزمة سياسية قد تؤثر على الإئتلاف الحكومي، ما يضعف موقفه، وبالتالي يدفعه الى التخلي عن جنوحه “النرجسي” الذي بلغ حد القول إنه يريد تغيير وجه المنطقة؟


