يكون الفوز في العمليّة السياسيّة للقيادة الّتي تملك استراتيجيّة مدروسة وتقديراً صحيحاً للعوامل المؤثّرة فيها، وأيضاً للقيادة التي تستطيع أن تستثمر عوامل القوّة وأن تعيد النّظر في وزن كل عاملٍ من عواملها بين الحين والآخر لكي تعيد تحديد هذا العامل أو العوامل ومدى الثّقل الّذي تشكلّه في واقعها (ليت الشيخ نعيم قرأ هذا قبل إطلالته الأخيرة!).
لا يقتصر نجاح أي عملية سياسية على تحقيق الهدف النهائي وحسب، بل يتعداه إلى مدى قدرة هذه العملية على تعزيز قدرات الجهة المنفذة لها على المدى الطويل. فزيادة تماسك هذه الجهة، وتطوير قدراتها، وتوسيع دائرة دعمها الشعبي، كلها عوامل أساسية لقياس مدى نجاح العملية. وبهذا المقياس، نلاحظ أن العديد من العمليات السياسية يعاني من أخطاء في الادارة تؤدي إلى تراجع معنويات الجهة المنفذة وتقويض قدرتها على تحقيق أهدافها.
فمقياس نجاح أي عمليّة تقدم عليها تلك القيادة ليس تحقيق الهدف النهائي فحسب، إنّما مدى ما تحقّقه هذه العمليّة أثناء القيام بها من زيادة قوة الطرف المعني بالتّصدي والإقدام على دفعه بقوة أكبر نحو الهدف المحدد. وبهذا المقياس نكتشف أن هناك أخطاء خطيرة في إدارة القيادة للعمليّة السّياسيّة.
صحيح أن القيادة اللبنانية حاولت الإمساك بزمام المبادرة من خلال التّمسك بالقرار 1701، إلاّ أن العدو الاسرائيلي والولايات المتّحدة استطاعا تكبيل هذه القيادة الممثّلَة برئيس مجلس النّواب ورئيس الحكومة. فلقد قاما بتضييق فرص الحركة أمامهما إلى أضيق نطاق.
إن تغيير المسار السياسي الحالي بات ضرورة ملحة، إلا أن هذا الأمر يواجه تحديات جمة، خصوصاً بعد سلسلة الأحداث المتسارعة التي أدت إلى هذا الوضع المعقد، فالتغيير الجذري يتطلب إرادة سياسية قوية وقدرة على تجاوز المصالح الضيقة وهو أمر بالغ الصعوبة بعد كل ما حدث ويحدث!
فبالاضافة إلى فقدان المبادرة، تعاني قيادة الدّولة حاليّاً من ضعف واضح في مواردها الذاتية، ما يجعلها غير قادرة على اتخاذ أي مبادرة جديدة لدفع عجلة التنمية السياسية والاقتصادية إلى الأمام – ولا أرغب بالقول انها عاجزة عن أيّة مبادرة!
لا شك في أن هناك عوامل داخليّة وخارجيّة عديدة أفرزت هذا الواقع، لكن المفروض هو العمل على ترميم فجوات الأخطاء، لاسترجاع ما نخسره من أرض وبأي ثمن…
إن قيادة البلد الآن صوّرت الوضع في بياناتها وتصريحاتها بصورة تناقض الواقع، وكأنّي بها تتخيّل أن العدو سيصدّق ما تعلنه من نيّات سلميّة فعليّة ومن تماسك داخليّ حول ما تعلنه. إنّ العدوّ لا يُخْدَع بما يسمعه، وهو ليس على استعداد لأن يتصرّف وفقاً لما يسمعه من بيانات وتصاريح وإنّما لما يقدّره من موازين القوى. وعليه، يبني مواقفه وسلوكه.
في علم السياسة، لا بدّ، لا بل من الضروريّ المناورة على العدو. لكن، من الخطر المناورة على الصّديق من الدول التي تقف مع لبنان. والأخطر هو المناورة على الذّات – أي الداخل، أي النّاس الذين يعانون من كل أنواع القهر والظلم في كل نواحي الحياة الأمنيّة والاقتصاديّة وإلى آخر مقوّمات الحياة الطبيعيّة!
لم يتمكن اللبنانيون الرافضون للعبة الطوائف والمحاور، الحريصون على وطنهم حرصهم على أنفسهم، من وقف الصّراع الّذي حوّل لبنان إلى جحيم تعدّدت فيه الجبهات بعدد المصالح الفئويّة. وحملت أيام هذه الحرب الدّامية وساعاتها ودقائقها في طيّاتها اَلاماً تجمعت فوق ما سبقها من آلام حيث أصبح لكل لحظة اسم وسبب وخيوط تنسجها، فتترامى أطرافها إلى أبعد ما تطيقه الذاكرة المحدودة بزمن حياة الفرد.
أنهي بكلمات للراحل الأمين العام ل “حزب الله” الذي قال يوماً: “من رحم المأساة تولد فرص داخليّة وإقليميّة يجب أن يستغلّها اللبنانيون دولة وشعباً”. ومجدّداً، ليت الشيخ نعيم قاسم قرأ هذا قبل إطلالته وكفى استكباراً وأسئلةً تُوجَّه الى الجيش اللبناني في غياب عشرات الأسئلة الملحّة، التي كان من الضروري توجيهها الى نظام الأسد وجيشه حول الانتهاكات التي استهدفت “حزب الله” والحرس الثوري في سوريا!
أما السؤال الكبير فيبقى موجهاً إلى الشيخ نعيم حول انتهاكات العدو الاسرائيلي لكامل الحدود الجنوبيّة. كفى، ولنقرأ بتمعن ما قاله الأمين العام يوماً!


