حلاوة الوحدة والانفصال المر

عبد المنعم مصطفى

لم أَجِد أدنى صعوبة في بناء تصور لمنزل السيد أحمد عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ، فقد رأيت المنزل نفسه وعشت فيه، واستشعرت دفئه المصري الخالص. كان بيت جدتي لأمي قطعة متطابقة مع بيت السيد أحمد عبد الجواد، المدخل نفسه، السلم الخشبي الصاعد الى الطابق فوق الأرضي نفسه.. فراء الذبائح المدبوغ والممشط بعناية أسفل الكنب الاسطمبولي.. القلل القناوي النظيفة جداً بأغطيتها النحاسية اللامعة ذات العصافير، وقد اتخذت موضعها في المشربيات المطلة على الطريق، رائحة ماء الزهر وزهور الريحان تعطر محيط القلل الباردة.

أمضيت أغلب شهر رمضان من كل عام في بيت جدتي، كانت قد فقدت القدرة على السمع اثر مرض أصابها في الطفولة، وكانت تستعير أذناي لأوقظها للسحور في رمضان عندما يرن منبه نحاسي قوي كانت تضعه قرب سريرها ذي الأعمدة الأربعة والناموسية الدانتيل. كنت أستمتع جداً بسحور جدتي، لكنني كنت أستمتع أكثر بالإفطار في بيتنا، حيث يشرف أبي بنفسه على إعداد أعظم السلاطات، والمقليات من المخ والكبدة والممبار وخلافه. بين بيت أبي وبيت جدتي مسافة لا تزيد على مائة متر، كانت كافية ليطمئن أبواي الى قدرتي على قطعها بمفردي كل يوم، وأنا قد قاربت السنة الرابعة من عمري.

في الطابق الأسفل من بيت جدتي، كانت تقيم أرملة ذات ملامح شامية أو تركية، وبناتها الأربع، كن فائقات الجمال، يمتلئن بالحيوية، وكنت بعد ألثغ بحرف الراء، وما زالت لدي بعض بقايا من تلك اللثغة، فكن هؤلاء البنات الجميلات وقد جاوزت أصغرهن السادسة عشرة، يداعبنني، ويطلبن مني بإلحاح أن أغني لهن أغنية “خسارة.. خسارة” للفنان عبد الحليم حافظ، بكل حروف الراء المزعجة في كلمات تلك الأغنية الجميلة.

كنت أستطيع من شرفة بيتنا المطلة على نيل روض الفرج، أن أرى فرق العمل التي تنفذ مشروع الكورنيش، وكنت ألاحظ وجود أحد الضباط يشرف على التنفيذ، علمت لاحقاً أنه عبد اللطيف البغدادي عضو مجلس قيادة الثورة.

عقب تأميم قناة السويس في ٢٦ يوليو (تموز) ١٩٥٦، ووقوع العدوان الثلاثي على مصر، عرفت كيف استبقت مصر العدوان بإنشاء مخابئ تحت حدائق كورنيش النيل، كنا نذهب لاحقاً الى تلك الحدائق التي اتخذت شكل هضاب تأوي تحتها مخابئ مزودة بفتحات تهوية، وكنا نتدحرج فوق تلك الهضاب الخضر، فلا نتوقف الا عند أبواب صممت بعناية لدخول من يلوذون بتلك المخابئ اذا ما انطلقت صفارات الانذار.

بعد اندحار العدوان الثلاثي، جرى تكريس عبد الناصر كزعيم عربي لا ينافسه أحد، وبقدر ما دغدغ ذلك مشاعرنا كمصريين، بقدر ما ساهم في تكريس نموذج لحكم الفرد، جرى تسويقه مراراً في سياق نظرية المستبد العادل. وتحت تأثير زعامة ناصر، بعد حرب ١٩٥٦، جرت تجربة الوحدة مع سوريا في ٢٢ فبراير (شباط) ١٩٥٨.

شاهدت شكري القوتلي الذي نال لقب المواطن العربي الأول، يقف الى جانب عبد الناصر بينما تجوب بهم عربة مكشوفة شوارع القاهرة، حملني أحد الأقارب فوق كتفه وساعدني على أن أكون بين شهود تلك اللحظة التاريخية بحق، قبل أن يجري استنزاف هذا التعبير لاحقاً في وصف وقائع يخجل منها التاريخ.. سمعت محمد قنديل يغني “وحدة ما يغلبها غلاب.. نباركها وحدة أحباب.. توصلنا م الباب للباب.. ولا حاجز ما بين الاثنين”.. كان قنديل يرفع عقيرته مشيراً بسبابته الى بعيد قائلاً: “أنا واقف فوق الأهرام.. وقدامي بساتين الشام”.

وسمعت صباح تغني للوحدة “م الموسكي لسوق الحميدية أنا عارفه السكة لوحدية.. كلها أفراح وليالي ملاح”.

لكن أفراح الوحدة لم تدم طويلاً، اذ أفاق المصريون ذات صباح على مشهد الانفصال.

علاقتي بالصحافة بدأت مع عّم عبد الهادي بائع الصحف، كان الرجل يبيع جرائد تشبهه، فما أن يطل من على ناصية الشارع بجلباب صعيدي يعلوه بالطو جبردين كاكي، لا أعرف من أين حصل عليه، حتى يجلجل صوته بمانشيتات تفتح شهية الزبائن الذين يتحلقون حوله، ليحصل كل منهم على نسخته، سمعته مراراً يصرخ: خلاص.. دخلوا.. دخلوا، كان ذلك إبان حرب السويس عام ١٩٥٦، وفي الأسبوع ذاته سمعت صوت عّم عبد الهادي بائع الجرائد، ورئيس تحرير شارعنا، مجلجلاً بمانشيت غامض “أميركا وإسرائيل ومصر” لم يقل لنا ماذا جرى لكن السياق العام كان يشير الى إنذار أيزنهاور لدول العدوان الثلاثي.

صحف عّم عبد الهادي، كانت تشبهه، أو هو يشبهها، أو أن كلاً من عم عبد الهادي وصحفه الثلاث (أخبار، أهرام، جمهورية) كانوا يشبهون عصرهم، حيث تهيمن جلبة الدعاية، على رصانة المعلومة، ودقة الخبر.

مشهد عبد الهادي متأبطاً صحفه، بينما يتحلق حوله الزبائن في شارعنا كل صباح، كان تجسيداً لما سمعته من قبل في أغنية لمحمد قنديل تقول كلماتها:

“ع الدوار عالدوار راديو بلدنا فيه أخبار

ع الدوار ع الدوار

ياللي في قاعة ياللي في خص قوم دي الساعة تمانية ونص

والراديو عمّال بيرص

في الأخبار قلبك يتهنى كنا في نار وبقينا ف جنة

واللي ظلمنا بقى في النار ع الدوار ع الدوار

من يوم جيشنا ما شن الغارة على عزالنا بكل جسارة

واحنا يوماتي تجينا بشارة

الجرانين بترد الروح وتداوي القلب المجروح

خير جيلنا بالقنطار ع الدوار ع الدوار

طاقة القدر شافتها عنينا والدنيا دي بقت في ايدينا

واللي خلقنا فرجها علينا

كنا عبيد وبقينا اسياد

كنا في ليل والنور انقاد

كنا صغار وبقينا كبار

ع الدوار ع الدوار

ارفع راسك أوعى تطاطي ولا تنذل لغير العاطي

واقلب أرضك عالي في واطي

خللىي البور في بلدنا جناين خللي الصحرا تبقى مداين

لجل نعيش دايماً احرار

ع الدوار ع الدوار”.

هذه الأغنية جسدت عصر عبد الهادي، كان يشبهها، أو كانت تشبهه، بمساحات هائلة من الأماني، أنتجت كماً هائلاً من الضلالات غير المبصرة، كان أبرز انجازات تلك الحقبة، هو أن “راديو بلدنا فيه أخبار” أو أن لدينا الآن ما نقوله.

كانت الأغنية تقول للناس ان “الجرانين بترد الروح.. وتداوي القلب المجروح”.. كانت تقول لهم “في الأخبار قلبك يتهنى.. كنا في نار وبقينا في جنة”.. عملية جبارة لغسيل دماغ شعب بأكمله، شارك فيها بامتياز عّم عبد الهادي بتاع الجرانين، بجلبابه الصعيدي والبالطو الجبردين الكاكي، وبصوته المجلجل “خلاص.. خلاص.. الحرب خلصت”!

لم نكن بين من يتحلقون حول عّم عبد الهادي كلما أطل على شارعنا، كان يأتي بالجرنان (الجورنال) الى البيت، وقتها كانت الأخبار هي جريدتنا اليومية، و”الأهرام” يوم الجمعة فقط لنقرأ فيها مقال الاستاذ محمد حسنين هيكل “بصراحة”.

لكنه في صبيحة ٢٨ سبتمبر (أيلول) عام ١٩٦١ لم يصل الجرنان الى بيتنا، ولا رأيت عّم عبد الهادي يتوسط شارعنا وقد تحلق حوله زبائنه أو ضحايا دعايته الملونة، انتظرت حتى العاشرة صباحاً، وقد أصابني القلق، ثم اتخذت قراري بالذهاب الى المقر الرسمي لعم عبد الهادي، قرب سوق الجملة بروض الفرج.

كان عبد الهادي يرص بضعة أقفاص فوق الأرض أمام محل سعد اللبان بشارع أبو الفرج، وينطلق ببضاعته من هناك في كل مكان.. انطلقت اليه يسبقني فضولي لاستكشاف أسباب تأخر الصحيفة الصباحية، وهناك كانت بضاعته التي تغطي الأقفاص قد نفدت تقريباً الا بضعة أعداد، انحنيت لالتقاط واحد منها، كانت كل المانشيتات تتحدث عن المؤامرة التي قام بها حفنة من الضباط السوريين للتمرد على دولة الوحدة وإعلان الانفصال.

حملت الجريدة ورحت أتصفحها أثناء سيري عائداً الى البيت، في الطريق، والى يساري على الضفة الأخرى من الشارع، وجدت لافتة من القماش الأبيض تعلو مصنعاً للملابس الجاهزة مكتوب عليها باللون الأحمر “العاملين بمصنع النسر المصري للحياكة يدينون نكسة الانفصال”.. كانت المرة الأولى التي أسمع واقرأ فيها كلمة نكسة، قبل ست سنوات من نكسة يونيو (حزيران) ١٩٦٧، وقع كلمة “نكسة” في نفسي كان كئيباً، اغرورقت عيناي بالدموع وتعثرت قدمي في رصيف الشارع وسقطت على وجهي فوق الأرض، وحين نهضت لأنفض الغبار عن ثيابي اكتشفت إصابة ركبتي بجروح، كان جرح الانفصال أقسى منها بكثير.

عندما عدت الى البيت، كانت أمي تقف قريباً من خزانة صغيرة (كومودينو) استقر فوقه جهاز الراديو العتيق، لتنصت الى كلمة عبد الناصر الى شعبه، حملت كرسياً لأدنيه من الراديو، وجلست عليه مدنياً أذني من سماعة الراديو العتيقة، سمعت عبد الناصر يقول: “إن طعنة العدو تجرح الجسد، أما طعنة الصديق فهي تمزق القلب”.. بكيت مجدداً، فقد كنت أستشعر المعنى تماماً بعد إصابة ركبتي بجروح لم أشعر بآلامها لأن آلام الانفصال عندي كانت أكبر.

زمن اعلام عبد الهادي، لم ينته بنكسة الانفصال، فقد استمر حتى نكسة الهزيمة في يونيو ١٩٦٧، عندما اكتشفت مبكراً، أن عبد الهادي بائع الجرائد بجلبابه الصعيدي وفوقه البالطو الجبردين الكاكي في عز الحر، لم يكن مجرد، فرد، أو حالة، وانما هو اُسلوب حياة، أو فلسفة نظام.

برغم كل شيء، احتفظت برغبة أكيدة بالعمل في الصحافة، لم أكن أراها مستقبلي وحدي، وانما كنت وما زلت أراها مستقبل وطن، لن ينهض بغير وعي شعبه.. ولهذا السبب رحت أعد لاختبار الالتحاق بالصحافة عدته، وهذا حديث آخر.

شارك المقال