أنتمي الى جيل يعرف أن مصر جزء من العالم، وليست العالم كله، كانت صحافتنا تهتم بتغطية أخبار العالم، في الحرب والسلم، في الاقتصاد والسياسة والعلوم والفضاء، والطب والرياضة، والفن، والجريمة، وكانت خريطة العالم فوق كل مكتب وفي كل كتاب، أما اليوم فإن أغلب جيل الشباب لا يعرف أبسط الخرائط، ولا يعلم أحياناً من هم جيران مصر في جهاتها الأربع.
كانت صحافتنا اليومية تهتم بالشأن الاقليمي والدولي، وكان اهتمامها في بعض الأحيان تعبيراً عن عجزها عن إبداء الاهتمام بالشأن المحلي، بسبب تضييق سياسي أو أمني أو رقابي، لكنه كان في أحيان أخرى تعبيراً عن إدراك واعٍ لعلاقتنا بما يجري، أو لتأثرنا به، أو لتأثيرنا فيه. وأذكر أنني تابعت الحرب في فيتنام في الصفحة الثانية لصحيفة “الأخبار” على مدى سنوات، لم يتغير خلالها موضع خبر الحرب ولا الصفحة المنشور فيها. أما قبل ذلك في مطلع الستينيات، فقد كانت أخبار حركات النضال الافريقية مهيمنة على صحفنا المصرية، وقت أن كانت مصر تعرف وتقدر مدى أهمية إفريقيا بالنسبة اليها. كنا في المرحلة الابتدائية نعرف عن تشومبي وباتريس لومومبا في الكونغو، ما لا يعرفه بعض طلاب العلوم السياسية اليوم، واستمر اهتمام إعلامنا بافريقيا طوال الستينيات فراح يتابع كفاح روديسيا للتخلص من نظام أيان سميث العنصري، الى أن سقط نظام أيان سميث واعتلى ” المناضل” روبرت موغابي مقعد السلطة فأطاح كل خصومه، واستأثر بالحكم على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، ما جعل كثيرين من شعبه يترحمون على أيام حكم أيان سميث الرجل الأبيض “العنصري”!
غاب الخبر الدولي عن اعلامنا أو يكاد، وغاب الخبر الاقليمي أو يكاد، وتراجع الخبر العربي، وهيمنت على اعلامنا ما يتوهم البعض أنه اهتمامات محلية، أغلبها للأسف، شائعات، تخصصت فيها ماكينات محترفة، استطاعت أن تستأثر باهتمام غالبية البسطاء، على حساب قضايا جوهرية في الاقليم، مثل الأوضاع في ليبيا، وفلسطين والسودان، على جبهات التماس البري مع مصر، وكذلك الأوضاع في سوريا واليمن والعراق ولبنان ومنطقة الخليج، وتركيا وإيران.
عوامل كثيرة ساهمت في تقليص وعي المصريين بما يجري في الجوار، كان لتوجهات الحكم نصيب فيها، تجلى مع رفع شعار “مصر أولاً” في حقبة السادات، اذ جرى توظيف الشعار لتكريس حالة من الشوفينية والانكفاء على الذات، ومثل شعار السادات أيضاً، بأن “٩٩٪ من أوراق الحل بيد أميركا” وهو الشعار الذي رفع حصة الاهتمام بأميركا في الاعلام المصري الى حد المرض. كذلك فقد جرى تقليص الخريطة العربية في الاعلام المصري لتهيمن عليها خريطة مجلس التعاون الخليجي، ما ساهم لاحقاً في تأثر الاعلام المصري بأداء الاعلام الخليجي وليس العكس، فأصبح الاحتفاء بالحكام سمة غالبة، وأصبح كل ما يجري على أرض مصر هو بفضل توجيهات فخامة الرئيس، ومعالي الوزير ودولة رئيس الوزراء (لاحظوا عودة ألقاب صاحب المعالي الوزير، ودولة رئيس الوزراء، بعد احتجاب طويل).
الأوطان تختار ثيابها التي تتناسب مع رؤيتها لذاتها، أو حجم طموحاتها. مصر التي كانت تستوعب بيئتها الدولية والافريقية والعربية والاقليمية، تعرف عن تلك البيئة بمقدار مصالحها فيها، وطموحاتها لنفسها معها، وعلى مدى أربعين عاماً منذ كامب ديفيد، تغيرت مصر، باتت نحيلة ترتدي ثوباً فضفاضاً، بعدما انحسر دورها وتأثيرها الاقليمي.
بانفتاح السداح مداح، انقض الذين هبروا على الذين عبروا، فانفجر المصريون في انتفاضة يناير (كانون الثاني) ١٩٧٧ التي أسماها السادات “انتفاضة الحرامية” واستثمرها لاحقاً في تسويغ وتسويق اتفاقات كامب ديفيد التي قادتنا بدورها الى المشهد الاقليمي الراهن.
مشكلة مصر مع المشهد الاقليمي الراهن، أنها تصر على إدارة المشهد الجديد تماماً بأدوات قديمة تماماً.
مصر اليوم ليست هي ذاتها مصر في مطلع ستينيات القرن الماضي، وخطاب مصر السياسي اليوم ينبغي أن يستوعب حقائق ما جرى في محيطها العربي على مدى نصف قرن، منذ هزيمة يونيو (حزيران) ١٩٦٧.
كان إيمان المصريين بالعروبة وبالفكرة القومية إبان حكم عبد الناصر، كافياً بذاته لتبرير سياساته تجاه القضايا العربية وتفسيرها، من فلسطين الى الجزائر الى اليمن الجنوبي والمحميات البريطانية في الخليج. كنا ندفع عن طيب خاطر قرش صاغ من أجل الجزائر عن كل تذكرة مترو، انطلاقاً من أن الجزائر عربية وأنها يجب أن تتحرر من الاحتلال الفرنسي، وكنا ننشد في طابور الصباح المدرسي “..وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر.. فاشهدوا.. فاشهدوا.. فاشهدوا”.
لم نكن بحاجة الى من يقنعنا بأهمية التبرع لدعم كفاح شعب الجزائر، ولا لمراقبة أموال التبرعات، فيمَ تنفق وإلى أين تذهب، كنا نحن أصحاب القضية، أو هكذا كنا نرى أنفسنا. أما اليوم فإن تسويق سياسات الحكم في مصر تجاه قضايا عربية واقليمية يتطلب، مستوى من المكاشفة والمصارحة بدوافع تلك السياسات، وبجدواها للمواطن البسيط، الذي انتزع بفعل ثورة تقنيات الاتصال حق مراقبة حكامه ومحاسبتهم عن نتائج سياساتهم في الخارج وفي الداخل.
كانت أحكام أغلبنا على السياسة في مرحلتي الصبا والشباب قيمية لا نفعية، تهتم بما تظنه أخلاقياً، وتتصدى لما تتصور أنه غير اخلاقي، من دون اهتمام بعوائد تلك السياسات على المواطن البسيط في الداخل. لكن هذا لم يعد ممكناً ولا مقبولاً اليوم، فلا بد مثلاً، من اقناع رجل الشارع البسيط في مصر بجدوى الموقف السياسي المصري مما يجري في سوريا أو في لبنان، وبصحة الانحيازات المصرية هناك. ولا بد أيضاً من اقناع المواطن المصري بجدوى السياسة المصرية تجاه ما يجري في اليمن، أو بجدوى منهج ادارة العلاقات المصرية السعودية، أو بجدوى القطيعة المطلقة مع ايران، أو بسلامة ومشروعية الخصومة العميقة مع تركيا، أو بدواعي الأناة وطول البال مع قطر. لا يكفي أن نقول ان النبل والأخوة العربية هما دافعنا الوحيد، أو أن مركزنا الريادي ودورنا المحوري هما ما يحتم علينا كذا ويملي علينا كيت، وانما يجب أن ندرب أنفسنا ومواطنينا على مخاطبة العقول لا القلوب، والحسابات لا المشاعر، والاحصاءات لا التخمينات.
توضيح العلاقة، بين سياسات الدولة تجاه الخارج، وبين عوائد تلك السياسة في الداخل، هو ما يساهم في حشد قدرات الوطن خلف هدف عام ومن أجل مصلحة عامة، وهو أيضاً ما يستنفر دواعي الصمود وقدرات التحمل لدى وطن، مصدر قوته الحقيقي هو قدرة مواطنيه على تحمل أشد الضغوط وأكثرها قسوة.
اهتمام الاعلام في مصر بالقضايا الدولية والاقليمية، بكشف الحقائق بعيداً عن دغدغة المشاعر بأحاديث الأخوة والأشقاء، والدور المحوري والمركزي وما شابه هذا وذاك، مهم جداً لبناء وعي مصري حقيقي بالمصلحة الوطنية الخالصة.
الاستنارة، هي أقصر طريق لبناء رأي عام، لم يعد من الممكن تجاهله، في عصر ثورة تقنيات الاتصال.
من دون رأي عام داعم للسياسة، يفشل السياسيون، ومن دون حقائق داعمة لبناء رأي عام تسقط الأوطان.. ردوا الاعتبار للحقيقة فهي وحدها تحرركم جميعاً.


