ظاهرة تستحق التوقف عندها، وهي انتشار فيديوهات في الآونة الأخيرة لأشخاص وهم ينتظرون لحظة حدوث الغارات في الأماكن التي يتم تحديدها من العدو الاسرائيلي، فبدلاً من أن يبحث هؤلاء عن مكان آمن ليحتموا به، نجدهم في الأحياء والشوارع ينتظرون لحظة سقوط الصاروخ لتصويره، حتى بات بعض الشبان “يعزم” غيره إلى مكان الاستهداف لاحتساء فنجان قهوة على هدير صوت الغارة، ليقوموا فيما بعد بنشر المقاطع التي صوّروها، وبرأيهم من يلتقط الصورة الأقرب هو الأشجع!
ولعل الفيديو الأبرز هو للحظة استهداف منطقة الشياح، وتحديداً خلف حلويات “الاخلاص” على طريق صيدا القديمة، حيث أظهر تجمع عشرات الشبان من أعمار مختلفة على مقربة جداً من المبنى الذي تم إستهدافه. ومن اللافت أيضاً بعيداً عن الهتافات والتهليل التي يطلقونها تزامناً مع الضربة، هو أن البعض منهم لا يتحرّك من مكانه لحظة إنفجار الصاروخ وتطاير الركام. مقطع آخر تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي لحظة حدوث الغارة في منطقة برج البراجنة، يظهر سقوط شاب من شرفة أحد المباني، قيل إنه كان يصوّر، ليتبين فيما بعد أنه كان في مكان الاستهداف، وليس على الشرفة.
ينقل المصوّر الصحافي المستقل، محمد قليط، تجربته من الميدان عبر موقع “لبنان الكبير”، أثناء تغطيته الاستهدافات في الحرب، وبحسب ما يقول: “نحن كفرق إعلامية مدربون على التغطيات الميدانية المحفوفة بالخطر، نعرف المسافة التي يمكن أن نقف عندها حفاظاً على سلامتنا، ننجز عملنا بأقصى سرعة، نأخذ اللقطات التي نريدها ومن ثم نغادر مكان الحدث الذي نعرف جغرافيته قدر المستطاع، أمّا ما يقوم به المواطنون اليوم فهو تصرّف غير مسؤول، يعرّضهم ويعرّضنا للخطر جرّاء ما يقومون به، حتى أن تهافت الناس قبل وقوع الغارات وبعدها تسبب أكثر من مرّة في إعاقة عمل فرق الاسعاف والإنقاذ”.
ويضيف قليط: “يجب الاضاءة أيضاً على فكرة مهمّة وهي أن المواطنين العاديين من الصعب ضبط تصرفاتهم أثناء الحدث من حيث الالتزام بالتعليمات الأمنية والسلامة العامة، ففي الكثير من الأحيان لا يقدّرون حجم الخطر الحقيقي أثناء وجودهم في أماكن الاستهداف لالتقاط الصور والفيديوهات”.
أمّا السؤال الأهم: ما الذي يدفع الناس الى التجمّع مكان الاستهداف؟
بحسب تفسير الطبيب النفسي، الدكتور فضل شحيمي، لموقع “لبنان الكبير”: “عندما نتعرّض للصدمات النفسية، ندخل في مراحل نفسية متعددة، ومنها مرحلة إنكار الواقع التي نعيشها اليوم، للتخفيف من وطأة المخاطر التي نمر بها، من خلال محاولة ممارسة حياتنا بصورة طبيعية، لنصل إلى مرحلة يسيطر فيها الإنكار على الإدراك لدى الشخص، فيقوم بأفعال قد تهدد حياته من دون إدراك مدى خطورتها، تماماً مثل الأفعال التي نراها اليوم، وهي تجمّع الناس لمشاهدة القصف والصواريخ”.
وتكمن خطورة هذا الأمر وفق الدكتور شحيمي، في تحوّل الإنكار فيما بعد إلى حالة نفسية مرضية، سنرى الكثير منها بعد إنتهاء الحرب، لأن معظم من يقوم بهذه التصرفات لا يعلم مدى خطورتها في المستقبل فنتيجة الإنكار لا يشعر بالخوف، وقد يترجم على الصعيد النفسي بما يعرف بإضطراب ما بعد الصدمة، وإضطراب القلق الحاد.
والسؤال، هل هذه السلوكيات معدية؟ يؤكد الدكتور شحيمي، أن “الاضطرابات النفسية معدية، ومثال على ذلك، بإستطاعتي أن أنقل القلق الذي أعيشه اليوم إلى المحيط الموجود فيه، كما يمكنني أن أنقل حالة الإنكار التي أمر بها، لذلك نلاحظ أنه يوماً بعد يوم يزداد عدد الأشخاص الذين يذهبون الى أماكن الاستهداف بهدف التصوير”.


