مع بدء الجيش الاسرائيلي المرحلة الثانية من عملياته البريّة، لا يزال الخيار العسكري في الواجهة، ويحجب كل كلام عن تسوية قريبة، ما يذكّرنا بسيناريو غزة الذي تعرقلت فيه كل محاولات التوصّل إلى هدنة وحلول ديبلوماسية حتى أصبحت غزة ركاماً وتفكّكت البنية العسكرية لحركة “حماس” إلى حدّ ما. فهل يتكرّر هذا السيناريو في لبنان مع “حزب الله”؟
من يشاهد حالة الخط الأول من القرى الجنوبية الحدودية، قد يُصاب بالصدمة نظراً إلى حجم الدمار الهائل الذي تعرّضت له، ولا مكان يماثله إلا قطاع غزة، ولا يحتاج الأمر إلى فطنة استثنائية ليستنتج أي متابع أن الجيش الاسرائيلي يُطبّق الخطة نفسها: يدخل ويُدمّر البنية التحية العسكرية والمدنية لأعدائه وفق سياسة الأرض المحروقة، ثم يخرج كي لا يكون عرضة للإستهداف بالكمائن والأفخاخ، ولو بالحدّ الأدنى، وقد نجح في ذلك، وفق الخبراء العسكريين الدوليين، إلى حدّ كبير.
في المقابل، لا يزال “الحزب” يعيش في أوهام الانتصارات، معتقداً أن ما يفعله في الميدان الجنوبي قد يدفع اسرائيل إلى التراجع عن شروطها وعملياتها، نتيجة الخسائر البشريّة التي منيت بها، ولم يُدرك، للأسف، حتى اليوم، أن القرار المتّخذ من الولايات المتحدة الأميركية يقضي بنزع سلاحه حتى ولو فقدت اسرائيل المئات من جنودها، فالعقيدة العسكرية الاسرائيلية تغيّرت، تبعاً لقرار وجودي يتعلّق بأمن اسرائيل للسنوات الـ150 المقبلة، وهي جاهزة لتستخدم كل الأسلحة الفتّاكة لإلحاق الهزيمة بـ”الحزب” لمرة واحدة ونهائية مهما كانت الفاتورة باهظة.
ويعتبر الخبراء العسكريون أن الوقت ليس لمصلحة “الحزب”، فكل مرحلة تمر تصبح الشروط الاسرائيلية والدولية عليه أكبر وأصعب. قبل توسّع الحرب في أيلول الفائت، كانت التسوية التي حملها الموفد الديبلومسي الأميركي آموس هوكشتاين تُلزم “الحزب” بالتراجع 10 كيلومترات من الحدود، وبعد بدء اسرائيل عملياتها البرية أصبحت المسافة المطلوبة للتراجع 30 كيلومتراً خلف نهر الليطاني، كما باتت آلية التنفيذ مشروطة بترك الحرية لاسرائيل في مراقبة “الحزب” وقصفه إذا تجاوز الاتفاق.
في المقابل، لا يزال “الحزب” ورئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يفاوض بإسمه، يتحاذقان على المجتمع الدولي والمبعوثين الأميركيين، بطريقة تطبيق القرار 1701، ويحاولان المناورة والمراوغة في تفسير القرار كي يحتفظ “الحزب” بسلاحه، وهذا الأمر ليست متساهلة فيه اسرائيل، وربما ستكون شروطها بعد انتهاء المرحلة الثانية من عملياتها البرية هي نزع سلاح “الحزب” بالكامل تطبيقاً للقرار 1559. ويلفت الخبراء العسكريون إلى أن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب ليس بعيداً عن خيارات رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو وشروطه.
لذلك تتجه الأنظار، بعد بدء المرحلة الثانية من العمليات الاسرائيلية البرية إلى طبيعة المرحلة الثالثة، ويرى الخبراء العسكريون أن تعنّت “الحزب” سيدفع اسرائيل إلى المرحلة الثالثة وإطالة حملتها العسكرية على لبنان، وربما غزو إسرائيلي حتى نهر الأولي وصيدا، حيث قد يستغرق الاسرائيليون بعض الوقت لتدمير مخازن أسلحة “حزب الله” في مختلف أنحاء البلاد، وهذا يعني المزيد من القتل والدمار في الجنوب، ما سيجعله “غزة ثانية”.
ولا شك في أن ما أدت إليه العملية العسكرية الاسرائيلية حتى اليوم هو قرى مدمرة، حقول محروقة، ومنازل مليئة بالثقوب بسبب نيران الرصاص، والدخان يتصاعد من البنية الأساسية التي تعرضت للقصف مؤخراً: لقد أصبحت القرى الجنوبية مشابهة لغزة كثيراً.
بذلك أبعدت اسرائيل خطر “حزب الله” عنها وخصوصاً وحدة “الرضوان” التي كان يخاف الاسرائيليون من أن تقتحم المستوطنات الشمالية كما فعلت “حماس” في غلاف غزة. ويوضح الخبراء العسكريون أن اسرائيل لا تهمها الصواريخ بقدر ما يهمها إبعاد خطر أي هجوم بري لوحدات “الحزب”، فيمكنها معالجة مسألة الصواريخ وتخفيف خطرها بمنظومات الدفاع الجوي المتطورة، لكن وجود مقاتلين مدربين لـ”الحزب” قرب حدودها تعتبره قنبلة موقوتة قد تؤدي إلى كارثة في لحظة “طيش” ايرانية. وكما لم تتسامح اسرائيل مع “حماس” لن تتسامح بعد اليوم مع “الحزب”، لذلك تحاول أن تغيّر هذا الواقع بالقوة العسكرية، وكلّما أبعدت “الحزب” يتراجع منسوب الخطر. وقد أقرّت ايميلي تريب، مديرة منظّمة تراقب الصراعات في بريطانيا بأن جنوب لبنان شهد “أشد” حملة قصف جوي في العالم خلال الأعوام العشرين الماضية، باستثناء غزة. ففي 23 أيلول الفائت، وخلال يوم واحد، على سبيل المثال لا الحصر، أعلنت اسرائيل أنها استخدمت 2000 قنبلة على 1500 هدف.
واعتبرت تريب أنها كانت إحدى أكثر الحملات الجوية كثافة التي يشهدها العالم، وربما لا يفوقها سوى ما أسقطته الولايات المتحدة وحلفاؤها على الموصل في العراق ويتجاوز 5000 قنبلة في أسبوع واحد!
ما يفعله “الحزب”، ولو كبح زخم الهجوم الاسرائيلي، سيصعّب مسألة إعادة الاعمار مستقبلاً والكلفة التي ستكون باهظة وغير معروف من سيتكفّل بتمويلها، إذ ثمة قرى دُمّرت بالكامل وتغّيرت المعالم الجغرافية على طول 120 كيلومتراً من الخط الأزرق.
ويؤكّد الخبراء العسكريون أنه لم يعد سهلاً عودة مقاتلي “الحزب” إلى هذه القرى بعدما فقدوا تحصيناتهم العسكرية، وهناك ما يُقارب وحدات لأربع فرق، كل منها يضم حوالي 10000 جندي، مدعومة بقوات خاصة ووحدات استخبارات، مستعدة للتدخل عندما تلمح عودة هؤلاء المقاتلين، ولا بد من الاعتراف بأن هناك سيطرة برية وجوية اسرائيلية على بعد حوالي 5 كيلومترات داخل لبنان، للبحث عن البنية التحتية لـ”الحزب” وتدميرها والسيطرة على الأرض لفترة غير محددة.
لا شك في أن العملية العسكرية الاسرائيلية مهما طالت لن تحسم الحرب، إذ لن تنتهي إلا باتفاق دولي جديد مع ترتيبات أمنية مختلفة عن القرار 1701، وهذا ما تعرفه اسرائيل جيداً، لكن الطرفين المتنازعين يحاولان تحسين شروطهما، ولو كانت الكفّة تميل إلى اسرائيل على نحو كبير نظراً إلى تفوّقها التكنولوجي العسكري، وهذا ما سيتكرّس أكثر مع مرور الوقت.
تُدرك اسرائيل، وفق الخبراء العسكريين الدوليين، أن لا أحد في لبنان قادر ومستعد لأن يفكّك “الحزب”، لذلك ستُكمل حربها حتى النهاية، وما لم تحصّله بالآلة العسكرية، ستحاول أن تناله بالضغط الديبلوماسي بالتعاون مع إدارة ترامب، لأن أي حلول نصفية تقضي بحفاظ “الحزب” على جزء كبير من قوته، فإن ردعه لإسرائيل سوف يتحسن، ومجرد بقاء السلاح معه سيشّجعه على إعلان الانتصار واستعادة معنوياته، ما سيقلب الساعة الرملية الى حرب جديدة ستكون أكثر صعوبة على تل أبيب.


