في لعبة التجسس… هل تستغني إسرائيل عن العنصر البشري؟

فاطمة البسام

على مرّ عقود من الحروب مع إسرائيل، أثبتت بالجرم المشهود، منذ بداية هذه الحرب، قدراتها الاستخباراتية الواسعة، من خلال الاغتيالات المتّقنة التي كانت ولا تزال تقوم بها، بدءاً من استهداف قادة عسكريين، مروراً بالأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصر الله، الذي فشل العدو في إغتياله عدّة مرّات منذ العام 2006 بحسب اعترافاته، وصولاً إلى إغتيال المسؤول الاعلامي للحزب محمد عفيف، الذي قتل مع مجموعة من فريقه، بمسيّرة اسرائيلية قبل يومين، في مدينة بيروت، وتحديداً في منطقة رأس النبع.

وتزامناً مع إنتشار خبر الغارة التي طالت الحيّ السكني الهادئ الذي يمتاز بأبنيته التراثية وشبابيكه الخشبية، تداول نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوّراً لتوقيف عامل أجنبي، قام بتصوير المبنى المستهدف قبل الاعتداء وبعده، والذي أسفر عن استشهاد 5 أشخاص، وجرح ما لا يقل عن 10.

ومع كلّ استهداف يكثر الحديث عن العملاء والجواسيس، أو الأشخاص الذين يقدّمون معلومات أمنية عن قلّة إدراك لحجم الخطر وحساسية المعلومات المتداولة، وهنا تنطلق الصرخة “شو اسرائيل ناطرتنا نصوّر؟”، ما يضعنا أمام سؤال مفصلي، هل يمكن لإسرائيل أن تستغني عن العنصر البشري في جمع المعلومات على الرغم من كلّ التطوّر التكنولوجي الذي تنعم به؟

وطبعاً عند كلّ مفترق تنقسم الآراء بين مؤيد لفكرة أو معارض لها من منطلق شخصي في أكثر الأحيان، أو عن قلّة معرفة بالموضوع المطروح، وقبل الخوض في التفاصيل، الاجابة بإختصار مؤكد، “لا”.

وبحسب ما يقول أحد الخبراء العسكريين لموقع “لبنان الكبير”: “لا، يمكن بتاتاً الاستغناء عن العنصر البشري في جمع المعلومات، فهذه الكوادر المدرّبة في أكثر الأحيان تعتبر الذراع الأطول لإسرائيل في البيئات التي تريد خرقها، فمهما بلغ التطوّر والتقدّم التكنولوجي، ما يقدّمه الجاسوس من دقّة قد يتفوّق على التكنولوجيا، مثل القدرة على التصوير بزاوية 360، والدخول إلى مراكز وأماكن مموّهة، وتأكيد الأهداف وغيرها”.

ويضيف: “اسرائيل، كغيرها من الدول المتقدمة في مجال التكنولوجيا، تعمل على تطوير وسائل وتقنيات متقدمة للتجسس تعتمد على التكنولوجيا بدلاً من الاعتماد على العنصر البشري بصورة كاملة. ومع ذلك، الاستغناء التام عن العنصر البشري في عمليات التجسس يعد أمراً معقداً وصعباً لعدة أسباب، نذكر منها:

  1. الدور البشري في تحليل المعلومات: على الرغم من التقدم الكبير في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، يبقى العنصر البشري ضرورياً لفهم السياقات المعقدة واتخاذ القرارات بناءً على المعلومات التي يتم جمعها.
  2. العمليات التي تتطلب تفاعلاً مباشراً: في بعض الحالات، يكون من الضروري وجود عملاء بشريين على الأرض لتنفيذ عمليات دقيقة، مثل بناء علاقات مع مصادر محلية أو التفاعل مع أهداف معينة.
  3. التكنولوجيا كوسيلة داعمة وليست بديلة بالكامل: المسيرات (مثل الطائرات من دون طيار)، وأقمار التجسس، وأدوات الاعتراض الالكترونية، كلها أدوات قوية للتجسس، لكنها تعتمد على مشغلين ومحللين بشريين لضبطها وتوجيهها وتحليل نتائجها.
  4. المخاطر الأمنية والسياسية: استخدام العنصر البشري قد يكون أقل عرضة لبعض أنواع الكشف، خصوصاً في البيئات التي قد تكون فيها التقنيات المتقدمة معطلة بسبب الحرب الإلكترونية أو وسائل مضادة”.

ومع ذلك، اسرائيل تعتمد بصورة كبيرة على التكنولوجيا لتعزيز عملياتها التجسسية، مثل:

  • استخدام المسيرات: لجمع المعلومات والاستطلاع.
  • أقمار اصطناعية: لمراقبة الأهداف عن بعد.
  • الاختراق الإلكتروني: للتجسس على الاتصالات والشبكات.

ومن جهة أخرى، يشير المصدر الى بعض الأساليب التقليدية التي يستعملها العدو في جمع البيانات، وقد يراها البعض “سخيفة” أو مبالغاً فيها، وبحسب اعترافات اسرائيلية، “خلقت الحرب في سوريا نافورة من البيانات، معظمها متاح للعامة لجواسيس إسرائيل – وخوارزمياتهم، ومنها نعي الشهداء، في هيئة الملصقات التي يستخدمها حزب الله بانتظام، واحدة من هذا النعي، كانت تتخللها قطع صغيرة من المعلومات، بما في ذلك البلدة التي ينتمي إليها المقاتل، والمكان الذي قُتل فيه، ودائرة أصدقائه الذين ينشرون الأخبار على وسائل التواصل الاجتماعي. وكانت الجنازات أكثر كشفاً، بحيث كانت تجتذب أحياناً كبار القادة من الظل، ولو لفترة وجيزة”.

ووفق المصدر نفسه، “تمكنت اسرائيل من جمع الكثير من البيانات لدرجة أنها امتلكت مجموعة مخصصة، الوحدة 9900، والتي تكتب خوارزميات تفحص تيرابايتات من الصور المرئية للعثور على أدنى التغييرات، على أمل تحديد جهاز متفجر مرتجل على جانب الطريق، أو فتحة تهوية فوق نفق أو الاضافة المفاجئة لتعزيزات خرسانية، ما يشير إلى وجود مخبأ”.

بمجرد تحديد هوية أحد عناصر “حزب الله”، يتم إدخال أنماط تحركاته اليومية في قاعدة بيانات ضخمة من المعلومات، والتي تسحبها أجهزة يمكن أن تشمل الهاتف المحمول لزوجته، أو عداد المسافات في سيارته الذكية أو موقعه.

ويختم: “في المستقبل، قد يتم تقليص دور العنصر البشري في بعض العمليات بفضل تطور الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، ولكن لن يتم الاستغناء عنه بالكامل، خصوصاً في الحالات التي تتطلب ذكاءً تكتيكياً وفهماً عميقاً للثقافات والبيئات المحلية”.

شارك المقال