أسد غاب متى ساورتنا الفتن

لينا دوغان
الجيش اللبناني

لنعترف أننا لسنا كلنا للوطن، لنعترف أننا خذلنا هذا الوطن، لنعترف أننا لم نكن على دراية بقيمة هذا الوطن، ولنعترف أننا الآن تعبنا وأتعبنا هذا الوطن.

لا يظنن أحد أن وطننا يستحق كل ما جرى له والمشكلة هي أننا السبب في كل ما حدث ويحدث، لأننا ببساطة لم نحافظ عليه ولم نحبه كما يجب، أو على الأقل أن نكون مواطنين حقيقيين تجاهه، فالمواطنة تجربة جميلة لم نمارسها، والانتماء اختبار عظيم لم ننجح فيه.

كل العالم يحب لبنان هذا الوطن الصغير المتنوع الحضاري المنفتح المضياف الغني بتاريخه الذي تشهد عليه عواميد بعلبك الشامخة وشجر الأرز الضارب بأصله في أعماق التاريخ، يحبونه باحتضانه لهم، يحبونه بجبله وساحله بنهاره وليله بثلجه وبحره، ببقاعه وجنوبه وشماله وبيروته، عاشوا فيه بعز فترة ذهبية مرت عليه، ولا زالوا يتمنون زيارته سائحين سارحين في أرضه الطيبة.

كلهم عشقوا لبنان إلا نحن…

ما من شاعر مقيم أو مغترب لبناني أو عربي إلا وتغنى بلبنان، ما من زائر إلا ورأى فيه جمالاً خاصاً، أما بيروت سيدة العواصم ودرة المتوسط فما قيل فيها حدث ولا حرج، فهي النجمة والخيمة وست الدنيا، وظلت بيروت مهوى حنين الشعراء وساحة للحضور الشعري الكثيف، الذي يتغنى بالحنين إليها وبالحياة فيها، على الرغم من المصائب التي أحدقت بها، فهي المدينة المليئة بالتناقضات، تجمع بين الحفاوة بالحياة والتغني بالجمال، وذكريات الموت جراء الدمار المتكرر. وما أوصل لبنان وعاصمته بيروت إلى هذه الحال هو ما فعلته أيدينا، تمسكنا بالفتن ما ظهر منها وما بطن وبدأنا بتشويه جمال وطننا ورقته وبراءته، وحوّلناه بشعاً قاسياً غليظ القلب، كل على طريقته، لنلعب على أرضه الطاهرة لعبة النجاسة والفجور كلٌ بتوقيته.

وها نحن اليوم نكمل هذه المسرحية بطريقة درامية ليصاب الوطن بأكمله بفصولها وتصاب بيروت ويُصوَّب على جيشنا.

هل وطن من دون جيش؟ هي كمن يقول وطن من دون شعب، أو كمن يقول وطن وشعب من دون حماية، من دون حصانة، ومن دون أمن وأمان، فكيف لجيش حامي الأرض والعرض والدار، أن يقال فيه ما قيل عبر الدنيا، وتوجه اليه كل هذه السهام في مرحلة كهذه؟ نحن كلنا نعم كلنا في أمس الحاجة إليه، وبدل أن ندعمه ونقف بجانبه ونطالب به ليلعب دوره كاملاً على مستوى البلد وخصوصاً في الجنوب، ترانا نصب جام غضبنا عليه، تارة لمحاولة التقليل من قدرته على القيام بمهامه وطوراً القول إنه لا يمكن أن يتسلح بقرارات من هنا وأخرى من هناك، فكيف سينظر العالم الى جيشنا، إذا كنا نحن من نوجه إليه ونرميه باتهامات كهذه؟

للأمانة هي وقفة للتاريخ علينا جميعاً أن نقفها هذه المرة، وقفة مع وطن يحتاجنا ونحتاجه، وقفة ضد الفتنة فيه وضد الطائفية، ووقفة مع جيش واجبنا أن نعبّد له الطريق لأنه الصخرة التي نستند اليها والملاذ الذي نحتمي به، لنكون نحن وإياه “كلنا للوطن” ويكون لنا استقلال.

شارك المقال