بلدة الطفيل منسية ومهمّشة في السلم فكيف بالحرب؟

فاطمة البسام
بلدة الطفيل

جرى التداول باسم الطفيل البلدة اللبنانية ذات الغالبية السنية أثناء الحرب السورية وتبعاتها على المنطقة التي تحوّلت إلى نقطة استراتيجية عسكرية، بعيداً من أعين “الدولة” وأجهزة الرقابة وقد انتشرت فيها المخالفات. تبلغ مساحتها حوالي خمسين كيلومتراً مربعاً، وتقع في أقصى سلسلة جبال لبنان الشرقية الحدودية مع سوريا. ويرتبط سكان الطفيل في تفاصيل حياتهم اليومية بسوريا منذ استقلال لبنان عام 1943، فهم يعملون فيها، ويشترون حاجاتهم منها، ويعالجون هناك من أمراضهم، كما يرسلون أولادهم لتلقي العلم وفق البرنامج التربوي السوري، ويحصلون بناء عليه على شهادات علمية رسمية سورية، لكنهم يقترعون لنوابهم ومسؤوليهم في لبنان.

وللوصول إلى الطفيل من داخل الأراضي اللبنانية، لا بد من اجتياز الحدود عند نقطة المصنع والسير داخل منطقة القلمون السورية، والتي منذ سقوطها في أيدي قوات النظام، أقفلت الطريق على سكان الطفيل، لا سيما بعد اتهامهم من جانب موالين للنظام بأنهم متعاطفون مع مقاتلي المعارضة الذين فرّ عدد منهم بحسب روايات عدة، من القلمون إلى الطفيل.

والطفيل محاطة بثلاث قرى سورية من ثلاث جهات، وهي حوش عرب شرقاً وسهل رنكوس جنوباً وعسّال الورد شمالاً، والتي تبعد عن الطفيل نحو ثلاثة كيلومترات، وتفصلهما جرود وعرة. أما غرباً من الجهة اللبنانية، فأقرب القرى إليها هي حام وعين البنية والشعيبة وراس الحرف ومعربون التي تقع ضمن جرود بلدة بريتال. وتبعد راس الحرف عن الطفيل ٢٣ كيلومتراً، أما قرية معربون فتبعد عنها ٢١ كيلومتراً، ويفصلها عن مدينة بعلبك نحو ٤٥ كيلومتراً.

“نداء من قرية منسية إلى أركان دولتنا العلية”، صرخة أطلقها ابن بلدة الطفيل، محمد حسين دقّو، قبل سنوات، ويجدد صرخته اليوم عبر موقع “لبنان الكبير”، مشيراً إلى أن موقع بلدته الجغرافي والاستراتيجي جعلها تدفع الثمن منذ قيام دولة لبنان حتى اليوم.

وبحسب دقّو، مرّت البلدة بالكثير من المنعطفات السياسية والاجتماعية، بداية مع الحرب السورية حيث تهجّر أبناؤها من عام 2014 حتى عام 2018، إلى بلدات لبنانية مثل عرسال وغيرها، وإلى الداخل السوري. وعند كلّ جملة يؤكّد دقّو، بنبرة لا تخلو من القهر، أن الطفيل قرية لبنانية، ويسأل لماذا كلّ هذا الحرمان والإقصاء؟ الطفيل المشهورة بشجر الكرز، والتفاح، والإجاص، والزاب، وحجر الرخام، أصبحت شبه قاحلة وبلا مواسم بعد حملة القطع الجائر التي تعرّضت لها قبل سنوات وتحديداً عام 2020 على يد أحد أبنائها الذي يقضي أيامه اليوم في السجن بتهم عدّة.

وبسبب التفلّت الأمني، وفق دقو، تتعرّض أشجار الزاب، اليوم، لعملية سرقة وقطع عشوائي بهدف المتاجرة بأخشابها المعروفة بجودتها ومتانتها، بعيداً من أعين الرقابة.

تضم الطفيل حوالي 3000 نسمة تقريباً، إذ لا إحصاءات دقيقة حول الرقم الفعلي، إلاّ أنه يقدّر بهذا العدد، وهي تضم عائلات كبيرة ومعروفة مثل عائلة الشوم، الآغا، صدقة، دقّو وصليبا، وبعضهم يعيش اليوم في قرى سورية مثل عسّال الورد وصيدنايا. وفي الطفيل التي تركها دقّو قبل شهرين بعد الاستهداف الذي تعرضت له الجهة الشرقية من البلدة من الطيران الاسرائيلي، مدرسة ابتدائية واحدة ومن بعدها ينتقل الطلاب إلى سوريا أو البقاع لاستكمال تحصيلهم العلمي بصعوبة. وهناك دكانان، وملحمة تبيع الذبيحة مرّة في الأسبوع، وليس فيها مستشفى ولا حتى مستوصف.

ويشير دقو الى أن “الصليب الأحمر اللبناني كان يقوم بجولة شهرية على البلدة لتأمين خدمات طبية متواضعة، وفي أحسن الأحوال يؤمن الأدوية اللازمة في النوادر”، مضيفاً: “حتى بير الميّ معطّل”.

دقو الذي كان يعمل متعهّداً للبناء أصبح عاطلاً عن العمل اليوم بسبب الحرب التي زادت الأمور سوءاً، وبالتالي تحوّلت البلدة إلى وجهة للنزوح من البلدات البقاعية التي تتعرّض يومياً لقصف اسرائيلي عنيف، فنزح إليها كلّ من أبناء بلدتي الخضر وبريتال، وغيرهما من البلدات المجاورة. وعلى الرغم من أن الطفيل أصبحت تضم عدداً من النازحين يفترض أن يكونوا على قائمة المساعدات التي تقدّمها الدولة والجمعيات وعلى رأسها الهيئة العليا للإغاثة، فهم لا يحصلون على شيء بحسب دقّو، الذي ينفي الشائعات التي تطال البلدة حول وجود معابر غير شرعية، وأنفاق، ومعامل للكبتاغون، وحتى مراكز لـ”حزب الله”، ويقول: “يا دوب الناس تقوم بحالها”. ويؤكد أن “آخر مرّة شافت الطفيل الخير على أيام الشهيد رفيق الحريري”.

يذكر أنه في العام 2020 تم استحداث طريق معبّد للبلدة، يمر من قرية حام البقاعية، يمكن سلوكه من بلدتي الخضر وبريتال. وبالتواصل مع محافظ بعلبك الهرمل، بشير خضر، قال لموقع “لبنان الكبير”، إنهم في الأساس لم يشجعوا النازحين على التوجه إلى بلدة الطفيل، وهو لا ينكر التهميش والحرمان الذي تعيشه المنطقة تاريخياً بسبب السياسات التي كانت معتمدة، لذلك لم يستحدثوا في داخلها مراكز للنزوح على الرغم من أنها تعتبر “آمنة” نسبياً، إلاّ أن الوصول إليها ليس آمناً، والكثير من الجمعيات لا يملك الموافقة على دخولها خوفاً على طواقمها ومتطوعيها.

وبحسب المحافظ، العمل جار على خطة حول كيفية إيصال المساعدات إليها، رافضاً الكشف عن التفاصيل.

ووفق مصدر من الهيئة العليا للإغاثة لموقع “لبنان الكبير”، فان الطفيل من أكثر المناطق فقراً وحرماناً بعد بلدة درب التبانة في طرابلس، مؤكداً أن الهيئة غير مسؤولة عن توزيع المساعدات بل تسلمها الى لجنة الطوارئ ليتم التوصيل من خلالها، ولا علم للهيئة إن كانت المساعدات تصل إلى الطفيل أم لا.

شارك المقال