لطالما شكلت الدراجات النارية جزءاً أساسياً من المشهد اللبناني، حيث تتجلى أهميتها في التنقل السريع وتخطي زحمة السير الخانقة. لكن مع الأزمات الاقتصادية والأمنية المتلاحقة، باتت هذه الوسيلة تأخذ أدواراً تتجاوز مجرد النقل، لتصبح في قلب المشهدين الاجتماعي والأمني، خصوصاً مع الانتشار العشوائي للدراجات غير المسجلة واستخدامها في بعض الأحيان لأغراض غير قانونية.
طفرة غير منظمة في أعداد الدراجات
حتى العام 2022، سجلت مصلحة تسجيل السيارات والآليات نحو 289,000 دراجة نارية، وفقاً لبيانات “الدولية للمعلومات”، وهو رقم لا يعكس الواقع الفعلي، إذ يقدّر أن العدد الحقيقي للدراجات النارية في لبنان يتجاوز المليون ونصف المليون، بسبب ظاهرة انتشار الدراجات غير المسجلة، التي تباع وتتنقل بين الأفراد بعيداً عن أعين الجهات الرسمية. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، ارتفع الطلب على هذه الآليات، بحيث يتم استيراد نحو 50,000 دراجة سنوياً، ما يعزز انتشارها العشوائي.
في غياب رقابة صارمة، تنشط عمليات بيع الدراجات النارية وشرائها خارج الأطر القانونية، ويباع العديد منها بصورة شفهية، من دون تسجيل رسمي أو حتى أوراق ملكية. المستهدف الأول في هذه السوق السوداء هم الشباب دون سن 18 عاماً، الذين يشترونها بأسعار منخفضة تتراوح بين 100 و200 دولار، مستغلين عدم حاجتهم إلى رخصة قيادة عند استخدامها داخل الأحياء. كما تستفيد من هذه الفوضى فئات معينة تستخدم الدراجات المسروقة لتنفيذ عمليات نشل وسرقة، ما يزيد من التحديات الأمنية في المدن اللبنانية.
مع تفاقم الجرائم المرتبطة بالدراجات النارية، أصدرت السلطات اللبنانية قراراً جديداً يقضي بمنع سير الدراجات النارية ليلاً، في محاولة للحد من عمليات السرقة والنشل التي ازدادت في الآونة الأخيرة.
بموجب القرار رقم 5 الصادر عن محافظ بيروت مروان عبود بتاريخ 7-2-2025، يُمنع سير الدراجات النارية في شوارع العاصمة بين الساعة 19:00 مساءً و5:00 صباحاً. يستثني القرار الدراجات التابعة للأجهزة الأمنية والبلديات، إضافةً إلى الدراجات المستخدمة من الصحافيين وشركات التوصيل والطواقم الطبية، بشرط تقديم الوثائق اللازمة التي تثبت الحاجة الى التنقل في هذا التوقيت. كما يُتاح لمالكي الدراجات غير المشمولين بالاستثناء التقدم بطلب للحصول على ترخيص استثنائي يسمح لهم بالسير ليلاً.
يأتي هذا القرار في سياق الجهود المبذولة لتعزيز الأمان في بيروت، لكنه يثير تساؤلات حول مدى القدرة على تطبيقه فعلياً، خصوصاً مع العدد الكبير من الدراجات غير المسجلة التي تتحرك من دون أي رقابة. فهل سيكون هذا القرار مقدمةً لضبط هذه الفوضى، أم أنه مجرد إجراء مؤقت سرعان ما سيتم تجاوزه؟ الأيام المقبلة وحدها ستكشف مدى فعالية هذه الخطوة في تحقيق الأمن والاستقرار في العاصمة، لا سيما أن بلدية بيروت وضعت آلية محددة لتطبيق هذا القرار، إلا أن التنفيذ الفعلي يقع ضمن مسؤولية قوى الأمن الداخلي وشرطة بيروت.
يؤكد رئيس دائرة محافظة بيروت سامر يعقوب لموقع “لبنان الكبير”، أن هذا القرار كان معمولاً به قبل العام 2019، لكنه توقف بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة والضغوط الحياتية التي شهدها البلد. ومع تزايد عمليات السرقة والنشل والحوادث الأمنية التي يرتكبها بعض المخالفين مستخدمي الدراجات النارية، تقرر إعادة تفعيل هذا القرار مجدداً للحد من الفوضى وتحسين الوضع الأمني في العاصمة.
في ما يتعلق بتنفيذ القرار على الأرض، يوضح يعقوب أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق قوى الأمن الداخلي، التي ستعمل على ضبط المخالفات وإيقاف الدراجات غير المسجلة. أما بالنسبة الى بلدية بيروت، فإن دورها يقتصر على التنسيق ودعم تنفيذ القرار، بينما تبقى صلاحية ضبط المخالفات بيد الأجهزة الأمنية المختصة.
يبدأ تنفيذ القرار رسمياً اعتباراً من 24 شباط، مع منح المواطنين فترة زمنية كافية لتأمين المستندات المطلوبة لتسجيل دراجاتهم النارية وفق القوانين المرعية الإجراء. أما بالنسبة الى مدة سريان القرار، فيشير يعقوب إلى أنه سيظل نافذاً إلى حين تحسن الأوضاع الأمنية، وعندها يمكن إعادة النظر في إلغائه، تماماً كما حدث في السابق.


