ردم الضاحية… لماذا التأخير برفعه؟

فاطمة البسام

مع فوز شركة “البنيان” بعقد إزالة الردم في الضاحية الجنوبية، منفردة، يُطوى ملف أساسي يمهّد لبدء إطلاق مرحلة إعادة الإعمار. فوز هذه الشركة جاء بعد مشاركة 16 عارضاً في استدراج العروض الذي أطلقه اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية، متجاوزاً التلزيم بالتراضي الذي استحوذ على نقاش واسع بشأن الكلفة. إذ كان عدد من المقاولين يسعى الى الفوز بتسعيرة تتراوح بين 8 دولارات و11 دولاراً للمتر المكعب الواحد، بينما أسفر استدراج العروض عن فوز بكلفة 3.65 دولارات للمتر المكعب الواحد قبل ضريبة القيمة المضافة، وهو السعر الأدنى الذي عرضته شركة “البنيان”.

في الأسابيع الماضية، احتدم النقاش بشأن أسعار تلزيم إزالة الردم الناتج من العدوان الاسرائيلي على مختلف المناطق اللبنانية. تمحور النقاش حول مسائل متصلة بمسافة نقل الركام، بين نقاط وجوده ومواقع الردم، إذ يختلف الأمر بين مناطق الجنوب والبقاع، حيث تكون المسافة أطول، وفي الضاحية الجنوبية حيث تكون المسافة أقصر. كذلك، نوقشت مسألة فرز الركام وكمية الناتج المستخرجة التي سيعاد تدويرها باعتبارها ستدرّ مبالغ إضافية للمتعهد، وأن كميات المواد الناتجة من ركام الضاحية أكبر بكثير من تلك الناتجة من ركام سائر المناطق. في هذا الوقت، كان الاستشاري “خطيب وعلمي” قد أعدّ تحليلاً للأسعار يفيد بأن إزالة ركام المباني المهدمة خارج المدن تبلغ 3.65 دولارات للمتر المكعب الواحد كحدّ أقصى، وكلفة المتر المكعب الواحد في المدن تبلغ 5.01 دولارات كحد أقصى. حدّدت هذه الأسعار على أساس أنه سيتم التلزيم بالتراضي “وفي حال عدم وجود رغبة في التعاقد وفق هذه الأسعار يصار حينها إلى إجراء مناقصة عمومية بحسب الأصول والالتزام بنتيجتها”.

وأشارت “الهيئة اللبنانية للعقارات”، في بيان، الى “ضرورة رفع الأنقاض والردميات والحطام والأتربة المتراكمة التي تجاوزت ملايين الأطنان بالاضافة الى النفايات السامة التي تنقل التلوث الى المياه الجوفية، وخصوصاً في الحرب الأخيرة”.

وأكدت “السعي الى ازالتها بطريقة مدروسة وسليمة تتوافق مع الشروط البيئية والصحية والإنمائية لتسهيل مهمة البلديات ووزارة الأشغال في تسريع القيام بواجبها عبر إعادة صيانة البنى التحتية للمجارير والأقنية والريغارات وتحديثها، حفاظاً على السلامة العامة ومنعاً لتجمع السيول ومياه الأمطار في أقبية ومستودعات الأبنية ما يؤثر على سلامة المباني، وهذا في ظل ارتفاع عدد الأبنية المتضررة جراء الحرب وقدم عهدها الذي لا يبشر بالخير ناهيك عن التغير المناخي ووضع الطقس وانجراف التربة اذ ان الضرر والخطر لن ينالا من المناطق المتضررة وحسب، بل سينتقل الضرر الى المناطق كافة نظراً الى اتصال مجاري الأنهر والأقنية ببعضها البعض”.

ومن باب التذكير فقط، فإن حجم الدّمار في حرب 2024 يفوق 10 أضعاف ردميات حرب تموز في العام 2006 ولا يزال الوضع حتى تاريخه يتصاعد مع ممارسة الأرض المحروقة في الجنوب وارتفاع حصيلة الدمار، حتى ان هول الدمار الحاصل والممنهج يشمل مناطق وأماكن مختلفة حتى عن حرب تموز 2006.

وبحسب ما تقول رئيسة “الهيئة اللبنانية للعقارات” أنديرا الزهيري، لموقع “لبنان الكبير”، فإن “أهمية رفع الركام ترتكز على اعادة الأهالي والمواطنين الى قراهم وأملاكهم وأرزاقهم، بحيث يجب اتباع خطط مستدامة تمهيداً للتعهد الذي وقعه الرئيس نجيب ميقاتي سنة 2022 بضرورة الالتزام بمعايير التنمية المستدامة وأهدافها”.

وتضيف: “بناء على ما تقدم نجد أن ازالة الركام والردميات تسري بطريقة بطيئة وغير منظمة، إذ إن عملية ازالة تلك الردميات والركام والأنقاض وتنظيف مكانها لا تقتصر فقط على ازالتها وإلقائها من مكان الى آخر لأسباب عدة نظراً الى العدد الهائل من الأطنان التي تحتوي مواد وأجساماً يجب معالجتها وفرزها، حرصاً على البيئة وعلى الصحة والأمن والأمان، وهذا الحديث لما تحمله من مخلفات حرب وحديد وألمينيوم وبطاريات ليثيوم وذخائر وألواح الطاقة الشمسية والنفايات الالكترونية المتعددة والأخشاب ومعادن مختلفة وغيرها”.

وفي كل مرة يحصل التأخير، يزيد تفاعل مواد قد تكون خطرة على البشر وتفاعل غاز الميثان والاسبيتوس والفطريات الناتجة عن تخمير بعض المواد تحت الأنقاض وانبعاثات الغازات السامة، لتجنب انتشار الأمراض الرئوية السرطانية الصادرة عن مادة الاترنيت والاسبيتوس.

وبالعودة إلى حرب تموز، تذكر الزهيري، بأن “الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي مقارنة مع الوضع الحالي كان أفضل حتى أنه لم تكن هناك مقاطعة دولية وعربية للبنان، وكان هناك ضخ أموال وقروض وهبات عربية ساهمت في تسريع عملية اعادة الاعمار التي كانت أسهل وأقل ضرراً، فلم تكن لدينا أعداد هائلة من المولدات وألواح الطاقة الشمسية وبطاريات الليثيوم”، مؤكدة “أننا لا نريد أن نعيد كرّة رمي الردم في البحر، من دون معالجة صحيحة وسليمة”.

وتكمن الخطورة في هذه الحرب الأخيرة، وفق زهيري، في إستخدام عدد هائل وملايين الأطنان التي تحتوي على مواد سامة ومضرة وتصعب معالجتها، وتتطلب معدات وآليات متطورة وفريق عمل متخصصاً وطبعاً الأهم دعماً خارجياً ودولاً مانحة، لتفرز الأجسام ويمكن أن تنتج عنها العوادم التي يمكن أن ترمم بها الجبال المتآكلة بفعل المرامل والكسارات ناهيك عن استخدام اعادة تدوير بعض المواد لاستخدامها في عملية اعادة الاعمار، وايجاد الأراضي لنقل ملايين الأطنان من تلك الردميات ليتسنى لنا الفرز السليم الصحي”.

وكانت تقديرات المجلس الوطني للبحوث العلمية تشير إلى وجود أكثر من 600 مبنى مدمّر في الضاحية بالاستناد إلى قراءة الصور الجوية ومقارنتها مع السابق، لكنّ النائب حسن فضل الله أشار إلى أن عدد المباني المدمّرة في الضاحية يصل إلى 400 مبنى فقط بناءً على مسوحات أُخذت ميدانياً على فترات مختلفة. وكان هناك شبه اتفاق في الاجتماع على أن حجم الدمار يراوح بين مرة ونصف المرة إلى مرتين الدمار الحاصل في عدوان تموز 2006، وعلى أن الأبنية التي لم تتدمر بصورة كاملة لكنها تصدّعت إلى درجة أنها لم تعد صالحة للسكن ويجب هدمها تُقدّر بنحو 30% من الدمار الشامل.

شارك المقال