موجات البرد “تشلّ” الكهرباء والمياه شمالاً!

إسراء ديب

تتحوّل العواصف الشتوية شمال لبنان، من نعمةٍ إلى نقمة أحياناً، خصوصاً في ظلّ موجة الصقيع التي جلّدت المياه وأدّت إلى تراجع التغذية الكهربائية أو انقطاعها في مناطق شماليّة عدّة لأسباب مختلفة، ويُمكن التأكيد أنّ عاصفة “آدم” التي اشتدّت يوميّ الأحد والاثنين، كانت الأكثر صعوبة على الكثير من المواطنين الذين لم يتمكّنوا من تحمّل شدّة البرودة وقساوتها.

وعلى الرّغم من ارتداء المرتفعات اللون الأبيض الذي غطّى الساحل أيضاً كمدينة طرابلس التي فرحت بهذا المشهد في مناطقها وأحيائها، إلا أنّ الطرابلسيين أقسموا على أنّ هذا البياض “المؤقت” يحمل في طياته، هموماً كثيرة لا يُعدّ الفقر وحده أسوأها.

وبعد جولةٍ لـ “لبنان الكبير” على بعض المناطق والأسواق الطرابلسيّة، تمنّى الكثير من المواطنين أنْ يكون صيْب العاصفة نافعاً عوضاً عن الجفاف الذي كان متوقّعاً، فيما أكّد أبو نضال من سوق القمح أنّ نقص التغذية الكهربائية عن بعض المناطق كان كارثياً في هذا البرد القارس. وقال: “الحديث عن شحّ مادّة الفيول مع حلول العواصف وقرب حلول شهر رمضان المبارك يُقلقنا، فصحيح أنّني ما زلت على الدقّة القديمة وأشتري الدقّ الذي يبلغ سعر الكيلو منه 100 ألف ليرة، وهو ثمن مرتفع بالنّسبة إلينا كعائلة ونحتاج إلى كمّيات كثيرة، لكنّني أفكّر في من يستخدم البطاريات على أنواعها ويحتاج إلى كهرباء، أو من واجه مشكلة في انقطاع المياه وهم كثر في طرابلس مع تراجع التغذية الكهربائية التي تأتي أحياناً في ساعات المساء، فمن يتمكّن حينها من تعبئة المياه؟”.

وتُسجّل المدينة ارتفاعاً في الطلب على الدقّ أو الغاز، في حين لا يُعوّل الكثير من الطرابلسيين على وسائل التدفئة الكهربائية خوفاً من فاتورة الكهرباء الباهظة التي باتت تتجاوز 10 ملايين ليرة يعجز ربّ المنزل عن دفعها، وهذا ما أكّده صاحب محطّة بنزين في طرابلس، قائلاً: “يكثر الطلب على الغاز الذي يبلغ سعر الـ 10 كيلو منه، مليوناً و115 ألف ليرة، أمّا المازوت فلا يُطلب كثيراً كالمعتاد، لأنّ المواطنين البسطاء يتوجّهون أكثر لشراء الدقّ أو غاز صغير يتمّ تركيبه بطريقة تُحوّله إلى وسيلة للتدفئة، لكنّها خطيرة خصوصاً لدى تسرّب الغاز”.

واعتبرت أم مالك (التربيعة)، أنّ الدّولة لا تلتفت إلى طرابلس أبداً، مشدّدة على ضرورة تحكيم الانسانية خلال الأزمات “فنحن نمرّ بظروف صعبة، ونتمنّى من أصحاب الشقق، المولّدات، الأدوات الكهربائية والمحروقات، الشعور بنا في البرد والشهر الفضيل، وفي منزلي الذي تسكنه الرطوبة، أستخدم مدفأتنا القديمة على الغاز الذي نستخدمه لتسخين المياه، لكنْ أحياناً يصعب علينا شراء الجرّة ونخشى حتّى من الوضوء”.

ومن المنية، حيث تعيش أم أحمد في برد العاصفة بلا كهرباء أو اشتراك بل على بطارية واحدة للمنزل، تقول: “أنتظر الكهرباء بفارغ الصبر لكن تراجع التغذية إلى ساعتيْن يُربكني، أمّا عن المياه الباردة فأتحمّلها بالغصب لأنّني غير قادرة على الدّفع، وأتدفّأ جاهدة مع أطفالي بثيابنا وبطانياتنا”.

معطيات “لبنان الكبير” تُشير إلى أنّ تراجع التغذية الكهربائية شمالاً يعود الى أزمة الفيول، أمّا انقطاع الكهرباء بصورة كاملة عن بعض الأحياء فيعود سببه إلى أعطال أو سرقات طالت الأسلاك الكهربائية.

وإلى المرتفعات في الضنية وعكّار حيث عُزل بعض المناطق عن بعضه لفترة وتجلّدت المياه، أكّد رئيس بلدية السفيرة (الضنّية) علي خضر حسّون عبر “لبنان الكبير” أنّ الطقس تحسّن وبات غائماً جزئياً، “ولكنّ الجليد موجود، وإذا بقي الطقس غائماً فهذا يُشير إلى أنّ الجليد سيخفّ، أمّا الطريق الرئيسية فباتت مفتوحة بجهود الدّفاع المدني والبلدية الى آخر حدود السفيرة وقمنا برش الملح وسقطت الثلوج بعدها، لكنّ الطرقات الفرعية في الضنية ما زالت مغلقة حتّى اللحظة وستُبذل جهود لفتحها”.

وعن الكهرباء، أوضح أنه اتصل بشركة الكهرباء “التي أكّدت أن لا مشكلة لديْنا بالخطوط وأنّ التغذية ما زالت تصل إلى أربع ساعات خلال الـ24 ساعة، وكأولاد جرد، اعتدنا هذا الطقس وحصولنا على الدفء من المازوت، الغاز والحطب”.

وفي ما يخصّ المياه، لفت حسّون إلى أنّ كلّ الخراطيم والقساطل الظاهرة ستتجمّد مع الجليد وتحتاج من ساعتيْن إلى ثلاث لتفكّ، “وقد يلجأ البعض إلى فتح الخرطوم لتأمين المياه كلّ الوقت، أو وضع الخزانات في المنزل كيّ لا تتجلّد في الخارج”.

ومن عكّار، رأى خالد طالب من فريق “درب عكّار” أنّ العاصفة أثّرت في المرتفعات الشمالية خصوصاً العكّارية منها، بعدما كانت تأثّرت بتراكمات ثلجية بـ 30 سنتمتراً على ارتفاع 1000 متر، لكن بالتأكيد “الجليد كان مؤذياً للغاية، وسبّب الكثير من المشكلات، كانزلاق السيارات، تلف المزروعات، تجليد القساطل وانقطاع المياه عن النّاس الذين يعيشون وضعاً معيشياً صعباً يزداد صعوبة مع كلّ كارثة كهذه العاصفة التي صعّبت حياة من يعيش على ارتفاع يزيد عن الـ 500 متر، خصوصاً المرضى ما منعهم من حرية التنّقل، مع العلم أنّ البلديات عملت على تنظيف الجليد عموماً، وتحديداً البلديات في الجرود شمالاً، حيث كانت نشطة وفتحت الطرقات وتابعت النّاس بالتعاون مع أكثر من فريق ضمن غرفة عمليات إيجابية وموحّدة كاتحاد بلديات جرد القيْطع، جمعيات أهلية، الصليب الأحمر، أجهزة الاتحاد ووزارة الأشغال”.

وأوضح لـ “لبنان الكبير” أنّ التدفئة تُعدّ معضلة كبيرة في عكّار “لأنّ غالبية المواطنين تعتمد في راتبها على وظائف الدّولة أو على أموال المغتربين، وإذا كان الشخص يحتاج إلى برميل أو برميل ونصف البرميل من المازوت (أيّ بيْن مئتيّ إلى 300 متر) فسيدفع 250 دولاراً، ما يُوازي معاش العسكريّ في الجيش، أمّا عن الحطب الذي يعتقد البعض أنّه وفّير، فأسعاره مرتفعة تُوزاي المازوت أو تزيد عليْه”.

شارك المقال