غصّت شوارع مدينة طرابلس وأسواقها ليْلة رمضان بالمواطنين الذين استقبلوا الشهر المبارك بفرحة وأمل كبيريْن، ومن يسير في أحياء المدينة خصوصاً بالقرب من أسواقها أو مطاعمها ومحال المواد الغذائية فيها، سيستشعر نعمة رمضان التي تدفع الآلاف سنوياً إلى اتباع طقوس متوارثة يعجزون عن تركها على الرّغم من الضغوط (لا سيما المعيشية منها) التي لم تُثنهم عن الاحتفال بالشهر الفضيل.
ويُشبّه الكثير من السيّاح والزائرين الأجواء في هذا الشهر المقدّس ضمن عاصمة الشمال، بالأجواء الروحانية في مصر وتحديداً في القاهرة، صاحبة الاحتفالات والابتهالات الصاخبة دينياً خصوصاً عند استقبالها رمضان، لكن في الواقع، إنّ هذه الأجواء وإنْ تشابهت فعلياً، تبقى مميّزة في طرابلس التي تتمتّع بخصوصية دينية واجتماعية تدفعها الى الاستمرار جيلاً بعد جيل، فهذه المدينة التاريخية والعاصمة المملوكية الثانية بعد القاهرة، كانت تتمّتع بعظمة لا مثيل لها في العصريْن الأمويّ والعبّاسيّ، ما يُعطيها هوّية إسلامية مميّزة تُوضح سبب تمسّك أهلها بطقوسهم التي تأتي بشقّيْن، شق دينيّ، وآخر اجتماعيّ.
وبعد لجوء الطرابلسيين إلى “سيران” رمضان للتسلية ورفع المناطيد من معرض رشيد كرامي الدّولي، وقبل حلول شهر رمضان، شهدت أسواق المدينة خصوصاً الشعبية منها مثل البازركان والعطارين ازدحاماً شديداً بسبب إقبال المتسوّقين على شراء المواد الغذائية المعروفة بـ “مونة رمضان”، الزينة والفوانيس استعداداً للشهر، ويُمكن التأكيد أنّ عدداً لا يُستهان به من الطرابلسيين، تجنّب خلال الأسبوع الأخير، استخدام سيارته التي ستعلق حتماً في زحمة سير خانقة تشتدّ خلال الشهر خصوصاً مع اقتراب آذان المغرب.
في شهر رمضان، “تفصل” المدينة نفسها عن مختلف الأزمات وتتزيّن من أجله في الكثير من شوارعها خصوصاً عند ساحتها حيث وضع نصب للهلال المضيء، وعند مدخلها الجنوبيّ، وضع مجسّم مضيء كتُب عليه رمضان باللغة الأجنبية وآخر لمدفع رمضان، وعلى الرّغم من “العتمة” التي يشهدها بعض الأحياء في المدينة طيلة العام، إلا أنّ المبادرات الفردية والأهلية كانت “طاغية” هذا العام، وسعت إلى وضع إنارة على شكل زينة فيه، كما تمّ تزيين الكثير من المطاعم والمساجد بالشرائط المضيئة.
وبعد ثبوت رؤية هلال شهر رمضان في المملكة العربية السعودية، سارع الطرابلسيّون إلى تهنئة أقربائهم بحلول الشهر، الاستعداد للسحور، رؤية المسحراتي الذي يُعتبر عمله عادة متوارثة لدى بعض العائلات الطرابلسية والصوفية تحديداً، وتجهيز الافطار “الأبيض” مثل الكوسا كطبقٍ رئيسيّ.
ومن الإفطار الذي يشمل التمور، المشروبات المعروفة مثل الخرّوب المعروف بالخرنوب، الجلّاب، التوت، والسوس، إلى جانب الحساء، الفتة، الفتوش، المغربية أو التبولة وغيرها من الأطباق، إلى تراث “السكبة” الذي يعتمده بعض الطرابلسيين، ويعتمد على سكب صحن الطعام للجيران أو للفقراء، فيما يقوم آخرون بإعداد موائد الإفطار أو الرحمن، أو يلجؤون إلى صدقة تعتمد على توزيع التمور والمياه على المصلّين اقتياداً بالسنّة التي نصّت أيضاً على ضرورة إقامة صلاة التراويح التي تملأ المساجد بالمصلّين.
ولا تتوقّف السهرات الرمضانية في طرابلس مع انتظار “الحكواتي” في ليالي رمضان، أو عبر افتتاح المقاهي أبوابها حتّى الفجر وإقامة الخيم الرمضانية وغيرها من الطقوس التي يُقيمها منشدون يُطربون الطرابلسيين بالابتهالات والموشحات الدينية التي تعني الكثير بالنّسبة إلى أهل المدينة الذين احتضنوا لأعوام كثيرة الطرق الصوفية ويُحبّونها على الرّغم من الاختلاف معها أحياناً.
وفي وقتٍ قد يُؤكّد فيه طرابلسيّون أنّ بعض العادات الرمضانية يتجّه نحو “الاندثار”، يرفض آخرون هذا الكلام، ويعتبرون أنّ الأحياء الطرابلسيّة خصوصاً الشعبية منها، ما زالت تعيش “على قديمها”. ويقول أحد المتابعين في التبانة لـ “لبنان الكبير”: “ما زلنا نسمع أناشيد توفيق المنجد مثل رمضان تجلّى وابتسما أو يا إمام الرسل يا سندي، ونحاول الاستماع إلى برامج دينية قديمة كانت تُبث من سوريا منها ما يعود للدّكتور مروان شيخو الذي كان يُقدّم تحيّة الإفطار، أو برنامج أسماء الله الحسنى، وابتهالات سورية ضمن المسجد الأمويّ، كما نبثّ يومياً عبر المساجد القرآن بصوْت القارئ عبد الباسط عبد الصمد، وعند الفجر نسمع ابتهالاً بصوت الشيخ محمّد صلاح الدّين كبارة، وغيرها من التفاصيل التي لا تموت كالمسحراتي وفرق الوداع”.
وعلى الرّغم من فرحة الطرابلسيين والمطاعم التي غصّت بالنّاس منذ يوم رمضان الأوّل، إلا أنّ ثمّة انتقادات للاحتفاليات كانت ذكرت أمريْن، أولاً: النّفايات التي رُميت في المعرض بعد رفع المناطيد ولم يقم أحد بإزالتها، وثانياً: المفرقعات النّارية التي ما زالت مستمرّة على الرّغم من نشر وثيقة صدرت عن محافظ طرابلس رمزي نهرا بمنع بيعها أو إطلاقها على أنواعها في طرابلس بمناسبة شهر رمضان بطلب من بلدية طرابلس، لكن اندلاع الحريق في شقّة سكنية- شارع الحّرية، وتسبّبه في إصابة 11 شخصاً بحالات اختناق وجروح بسبب المفرقعات التي تمّ شراؤها والتهمت جزءاً كبيراً من الشقّة وكادت تنتقل إلى الشقق المجاورة، يُؤكّد خطورة “تجّار” المفرقعات الذين يُتابعون عملهم على عيْن المحافظ والقوى الأمنية.


