عود على بدء، مع كل شتاء تتحول طرقات لبنان إلى بحيرات متدفقة، وشوارع المدن إلى مشاهد كارثية تعكس عمق الأزمة التي يعانيها البلد في بنيته التحتية. تتكرر المشاهد نفسها وتبدأ تدريجياً مع اشتداد فصل الشتاء، فبينما غرقت بعض طرقات لبنان أمس، على المواطنين الاستعداد لمشاهد أقسى: سيارات عالقة وسط السيول، محال تجارية غارقة، ناس تكافح لعبور الطرقات المغمورة بالمياه، فيما تغيب أي حلول جذرية من الدولة.
لم يكن هذا المشهد وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات تاريخية تعود إلى عقود، فقد أهملت السلطات المتعاقبة وضع خطط مستدامة لتطوير البنية التحتية، واكتفت بإصلاحات تجميلية أو مشاريع تفتقر إلى الشفافية والجودة. في بلد تُخصص فيه الملايين لمشاريع الطرق والصرف الصحي، لا تزال الأمطار الأولى كفيلة بكشف عجز الدولة عن تأمين أبسط مقومات البنية التحتية الحديثة. فكيف وصل لبنان إلى هذه الحال؟ وما هي الأسباب الحقيقية وراء هذه الأزمة المستمرة؟
بنية تحتية مهترئة وفشل شبكات الصرف الصحي
لطالما كان لبنان نموذجاً للتخطيط العشوائي، وهو يواجه اليوم أزمة بنيوية حادة. البنية التحتية لم تُصمم لاستيعاب كميات كبيرة من مياه الأمطار، ما يؤدي إلى انسداد المجاري وحدوث فيضانات سريعة مع كل عاصفة شتوية. في العديد من المناطق، تعود شبكات الصرف الصحي إلى حقبات قديمة ولم يتم تحديثها لتتلاءم مع الزيادة السكانية والنمو العمراني، بينما في مناطق أخرى، الشبكات غائبة كلياً أو موصولة بطريقة غير مدروسة.
مصادر نيابية تقول لموقع “لبنان الكبير” إن “عشرات الملايين من الدولارات تُرصد سنوياً لمشاريع البنى التحتية، لكن أين تذهب هذه الأموال؟ الجواب ببساطة: إلى جيوب الفاسدين. العقود تُمنح لشركات تابعة لجهات سياسية نافذة، ما يؤدي إلى تنفيذ مشاريع ضعيفة الجودة أو غير مكتملة. كثيراً ما تُستخدم مواد رديئة لإنجاز الطرقات، فتظهر الحفر بعد أول شتوة، وتُنفذ شبكات الصرف الصحي من دون تخطيط علمي أو رقابة حقيقية، ما يفاقم المشكلة بدلاً من حلها”.
غياب التخطيط العمراني والتنظيم العشوائي
مع ازدياد البناء العشوائي، اختفت المساحات الطبيعية التي كانت تمتص مياه الأمطار، وتحوّلت مجاري السيول القديمة إلى مناطق سكنية غير منظمة. في العديد من الحالات، تُبنى المشاريع السكنية فوق مجاري المياه، ما يؤدي إلى انسداد طبيعي للمسارات التي كانت تتيح تصريف المياه نحو الأنهار أو البحر.
وفي كل عام، يعرف المسؤولون موعد بدء موسم الأمطار، ومع ذلك، لا تُتخذ أي خطوات استباقية لتنظيف مجاري الصرف الصحي أو تأهيل الطرقات. كل ما تقوم به السلطات هو ردّ فعل متأخر بعد وقوع الكارثة، بحيث تُشاهد الجرافات والآليات تحاول سحب المياه من الشوارع، بينما يدفع المواطنون الثمن من حياتهم وممتلكاتهم.
وزادت التغيرات المناخية من كثافة الأمطار خلال فترات قصيرة، ما ضاعف من تأثير الفيضانات، خصوصاً في ظل غياب أي تخطيط لاستيعاب هذه المتغيرات البيئية. في كثير من الدول، يتم بناء شبكات تصريف مياه حديثة تتكيف مع هذه التغيرات، بينما في لبنان، لا تزال البنية التحتية نفسها منذ عقود.
تكرار الفشل الحكومي في إيجاد حلول
على مدار العقود الماضية، لم تُطرح أي خطة جدية لإصلاح شبكات الصرف الصحي وتطوير الطرقات بما يتلاءم مع التغيرات السكانية والمناخية، وما يتم تنفيذه هو حلول مؤقتة، غالباً ما تكون ترقيعية، من دون أي رؤية بعيدة المدى.
وغياب الاستقرار السياسي واستمرار الصراعات بين القوى المتناحرة جعلا التنمية أولوية متأخرة لدى الحكومات المتعاقبة. فبدلاً من استثمار الأموال في مشاريع بنى تحتية حقيقية، يتم إنفاقها على المحاصصة السياسية وتقاسم المغانم.
الآثار الكارثية للأزمة
تتسبب الأزمة في شلل مروري وانقطاع للطرقات، بحيث تتحول الشوارع إلى برك مائية هائلة، ما يعوق حركة السيارات ويؤدي إلى زحمة سير خانقة. عدا عن وقوع خسائر مادية جسيمة، عندما تغمر المياه السيارات والمنازل، متسببة في أضرار كبيرة لا تعوّضها الدولة، بل يتحملها المواطن وحده.
بالاضافة إلى ذلك تسبب الفيضانات مخاطر صحية وبيئية، بحيث تمتزج مياه الأمطار بالصرف الصحي ما يؤدي إلى انتشار الأمراض والتلوث البيئي. وفي بعض الحالات، تسببت الفيضانات في حالات وفاة نتيجة الانجراف بالمياه أو الانهيارات في الطرقات والمباني.
الحلول الممكنة لإنهاء الأزمة
على الرغم من عمق المشكلة، لا يزال بالمكان وضع حلول جذرية، مثل:
– إصلاح شبكات الصرف الصحي وتحديثها وفق معايير علمية حديثة.
– إجراء صيانة دورية للشوارع والمجاري بدلاً من انتظار الكوارث للتحرك.
– فرض رقابة صارمة على تنفيذ المشاريع لضمان عدم هدر الأموال في عقود وهمية.
– إعادة تخطيط المدن وفق رؤية عمرانية جديدة تمنع التعدي على مجاري المياه الطبيعية.
– تعزيز التعاون مع خبراء دوليين للافادة من تجارب دول متقدمة في هذا المجال.
بعد المشهد أمس طالب رئيس الحكومة نواف سلام بفتح تحقيق فوري لتحديد المسؤوليات واتخاذ التدابير اللازمة بحق كل من يثبت تقصيره.
أزمة فيضانات الطرقات في لبنان ليست مجرد مشكلة موسمية، بل هي انعكاس لعقود من الفشل والإهمال والفساد. في كل شتاء، يدفع اللبنانيون ثمن سوء الادارة، بينما تتعاقب الحكومات من دون أي محاسبة حقيقية أو حلول جذرية.
ويأمل اللبنانيون خيراً بالعهد الجديد، وأكثر ما يمكن أن يعطي انطباعاً ايجابياً هو حل مشكلة الفيضانات السنوية، أو على الأقل شق الطريق إلى حلها. وإلى أن تتحقق الاصلاحات الفعلية، سيبقى المواطن اللبناني يواجه الشتاء بقلق، متسائلاً: أي طريق سيغرق هذا العام؟ وأي منزل سيتحول إلى بركة مياه جديدة؟


