اليوم العالمي للمرأة… نساء عربيات رائدات ومؤثرات في نهضة بلدانهن 

زياد سامي عيتاني

يصادف الثامن من آذار من كل عام، اليوم العالمي للمرأة، وذلك في سياق تأكيد الأمم المتحدة أن تحقيق المساواة القائمة على النوع الاجتماعي أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وأن ضمان حقوق النساء والفتيات في شتى نواحي الحياة هو السبيل الوحيد لبناء اقتصادات مزدهرة وعادلة، وكوكب صحي يصلح لحياة الأجيال القادمة. وبهذه المناسبة، لا بد من إستحضار سيدات عربيات رائدات في شتى المجالات والحقول، ممن كان لهن تاريخ نضالي ووطني وتحرري مضيء، ساهم في تحرير أوطانهن، وكذلك ممن حققن الكثير من النجاحات البارزة، ويضيء موقع “لبنان الكبير” على السير الساطعة لكوكبة من النساء العربيات:

•فاطمة الفهري:

تعرف عالمياً كمؤسسة أول جامعة في العالم عام 859، جامعة القرويين في المغرب والتي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. فاطمة وأختها إستغلتا الثروة الطائلة التي ورثتاها من والدهما في تأسيس صرح تعليمي هو الأول من نوعه في العالم بالاضافة إلى مسجد. وعلَمت هذه الجامعة مختلف أنواع العلوم بين فقه اللاهوتي والاسلامي. كما كانت تدرس الطب والنحو، وعلم الفلك، والفيزياء، والتاريخ، والكيمياء، والجغرافيا، والرياضيات، والعلوم الطبيعية، واللغة الأجنبية والموسيقى. توفيت فاطمة نحو عام 1180، وعرفت بأم البنين.

•مريم بلميهوب زرداني (متمردة على الاستعمار والظلم): انضمت إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية عام 1956، وعمرها لا يتجاوز الـ17، وتطوّعت مع الجزائريين الذين ثاروا ضد المستعمر الفرنسي، ووصفتها الاذاعة الرسمية الجزائرية بأنها “استبدلت مقاعد الدراسة بجبهات القتال في صفوف جيش التحرير الوطني وأدت مهامها كممرضة على أكمل وجه”. تركز عمل مريم في الولاية التاريخية الرابعة (إحدى الولايات السبع التي استحدثها القادة الثوار الجزائريون)، وعلى الرغم من أنها لم تكن أساساً ممرضة، إلا أنها استطاعت بسرعة أن تمارس التمريض، بفضل زميلاتها الموجودات على خطوط التماس مدفوعة بحس وطني تحرري.

نشأت في أسرة تحررية ومناضلة، وهو ما جعلها “متمردة على الاستعمار والظلم”. قبضت السلطات الفرنسية على مريم ووضعتها في السجن لخمس سنوات. وبعد استقلال بلدها، انتُخبت لتنضم إلى المجلس التأسيسي للجزائر لوقت قصير، إلى أن انسحبت منه لإكمال دراستها في مجال الحقوق، ثم لتعمل بالمحاماة. أصبحت مريم واحدة من أول جزائريتين تُقبلان في نقابة المحامين في الجزائر العاصمة، لتمارس عملها كمحامية، وفق ما كتبه المؤرخ كريستيان فيلين، مؤلف كتاب “محامو السكان الأصليين في الجزائر الاستعمارية”.

اللافت في تاريخ مريم ليس نضالها ضد الاستعمار وحسب، بل قيادتها للحركة النسوية الجزائرية ما جعلها “أيقونة للنضال” بجميع أشكاله. كانت مريم من اللواتي تصدين لقانون تنظيم الأسرة الجزائري، الذي كان مُجحفاً بحق النساء، بحسب أوبترون، الذي أضاف أنها تمكنت من إضفاء تغييرات جوهرية ساهمت في إعطاء المزيد من الحقوق للمرأة الجزائرية. وفي العام 2003، عُينت مريم خبيرة في لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التمييز ضد المرأة.

 

•زليخة الشهابي (تزاوج بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي): هي رائدة العمل النسوي الفلسطيني، شاركت بفاعلية في النضال الوطني عبر التاريخ الفلسطيني، وهي من شكل أول اتحاد نسائي فلسطيني بهدف مناهضة الانتداب البريطاني عام 1921. وزليخة، من مواليد مدينة القدس عام 1901، كانت أول من قادت مظاهرة نسائية احتجاجاً على اعتقال عدد من قادة الثورة الفلسطينية، وشاركت في تأسيس الاتحاد النسائي العربي عام 1944. كما أسست الشهابي مستوصف الاتحاد النسائي الطبي للعناية بالحوامل ومركزاً لرعاية الأطفال ومركزاً لتعليم التطريز والخياطة للفتيات عام 1950. “المرأة الفلسطينية زاوجت بين حركات التحرر الوطني وحركات التحرر الاجتماعي”.

في العام 1929، عقد الاتّحاد أول مؤتمر نسائي فلسطيني حضرته 300 سيدة تمثل مختلف المناطق الفلسطينية، وصدرت عنه عدة برقيّات إلى قوى دوليّة تطالب بوضع حد للهجرة اليهودية وسياسيات الانتداب البريطاني، كما تمخض المؤتمر عن تشكيل وفد من 14 سيدة لمقابلة المندوب السامي للمطالبة بإلغاء وعد بلفور، وخرجت مسيرة من 80 عربة طافت ببطء على جميع مراكز القنصليات الأوروبية.

المقدسية الراحلة زليخة الشهابي كانت تلعب دوراً كبيراً في تكريس الفكر الوطني الفلسطيني والحفاظ على هوية المدينة والبلاد أثناء فترة الانتداب البريطاني وموجات النزوح اليهودية الأوروبية بين عشرينيات القرن الماضي وخمسينياته، التي تلت ذلك في أراضي “فلسطين التاريخية” حينها. كان هناك بث لثقافة الكفاح الوطني وخصوصاً بين النساء، وعندما نقول نساء يعني أن ذلك ينعكس تلقائياً على الأسرة عموماً. وهناك تأثير للعمل الوطني على المجالات كافة، سواء في الفن أو الطب أو القانون أو غير ذلك. كانت فترة لوضع البصمة الخاصة بالنساء في الحركات الوطنية، والتي كان لزليخة دور مهم فيها وكان لها تاثير على نساء فلسطين.

أسهمت الشهابي في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، كونها رئيسةً للاتحاد النسائي، وكان لها دور محوري مع بقية سيدات القدس في تأسيس لجنة الاسعاف التابعة للجنة المقاومة الشعبية التي تشكلت قبل حرب عام 1967، وتوفيت في القدس في عام 1992. وكانت واحدة من نساء فلسطين، ربطت حياتها بشكل من أشكال المقاومة المتعددة وكانت في الوقت نفسه رفيقة الرجل في صناعة المستقبل لفلسطين. كانت لها البدايات في تأسيس اتحاد النساء العربي والذي عُقد على أثره مؤتمر نسوي حضرته العديد من السيدات العربيات والقيادات العربية ثم من خلال الاتحاد النسائي الفلسطيني، فقيادة التحركات الوطنية.

 

•سميرة موسى (عالمة ذرة مصرية): وُلدت في الثالث من آذار عام 1917 في محافظة الغربية بمصر، برز تفوقها الدراسي منذ صغرها، وكانت عاشقة للكتاب والقراءة. وفي العام 1939 تخرجّت من جامعة القاهرة بدرجة بكالوريوس العلوم في الأشعة. تم تعيينها أول معيدة، ثم أصبحت أستاذة مساعدة في الجامعة، وكانت أول امرأة تشغل منصباً جامعياً في تلك الأيام. حصلت على درجة الدكتوراه في مجال الإشعاع الذري، ووفق موقع جمعية المرأة في العلوم “awis” كانت من أشد المؤيدين لاستخدام التكنولوجيا النووية من أجل السلام، مثل جعل العلاجات النووية الطبية متاحة وبأسعار معقولة للجميع. ويُنسب إليها قولها: “سأجعل العلاج النووي متاحاً للجميع ورخيصاً مثل الأسبرين”. توفيت في 5 آب 1952 بالولايات المتحدة. وأفادت عدة تقارير بأن سميرة موسي قُتلت، لتخصصها في مجال الطاقة الذرية، خصوصاً أن التحقيقات في حادثة وفاتها كانت مليئة بعلامات الاستفهام، اذ إنها قضت إثر حادث سير، وتبين فيما بعد أن السائق كان يحمل جواز سفر مزيفاً واسماً مستعاراً، ولم تتم معرفة هويته أو جهة عمله.

 

•عنبرة الخالدي (بصمة اجتماعية وثقافية بلبنان): وُلدت عنبرة سلام الخالدي في 4 آب 1897 في لبنان، وتعتبر واحدة من أهم السيدات في العالم اللواتي تركن بصمة في العمل الاجتماعي والثقافي النسائي عربياً، وهي من أولى المؤسِسات لجمعيات في لبنان حول حقوق النساء، بحسب ما ذكر موقع Muslim women you should know. أسست عنبرة وبعض الناشطات جمعية تسمى “صحوة المرأة العربية الشابة”، والتي صُنّفت بكونها أقدم الجمعيات النسائية في العالم العربي. وكان الهدف هو تشجيع الفتيات العربيات على التعليم، لكن الحرب أوقفت نشاطهن.

خلال الحرب العالمية الأولى، عملت عنبرة ومجموعة من صديقاتها على تجهيز وإدارة المدارس والملاجئ وورش العمل لأيتام الحرب. وفي العام 1917، ساعدت في تأسيس ناد ثقافي اجتماعي أطلق عليه اسم “نادي الشابات المسلمات”، ثم أصبحت رئيسة له. واستقطب النادي العديد من الشخصيات والعلماء المتميزين الذين ألقوا محاضرات في مواضيع علمية وأدبية متنوعة. ذكرت الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية أن عنبرة تزوجت المربي الفلسطيني أحمد سامح الخالدي في سنة 1929، وانتقلت الى العيش في القدس حتى عام النكبة في سنة 1948. وأشارت الى أنها شاركت في النشاط السياسي والنسوي في فلسطين، وألقت العديد من المحاضرات عن النساء الشهيرات في التاريخ الاسلامي والغربي من إذاعة فلسطين، وعملت عن كثب مع زوجها في كل أعماله الأدبية والتاريخية والتربوية، كما عملت معه في خدمة القضية الفلسطينية وشرحها للجان الرسمية البريطانية والدولية التي أمّت فلسطين، وكذلك للعديد من الصحافيين والكتّاب الأجانب الذين زاروا منزلها الزوجي في القدس. ومن أعمالها “جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين”، ترجمة الأوديسة والإلياذة لهوميروس مع مقدمة لطه حسين، بالاضافة إلى العديد من المقالات في مجلات عربية ولبنانية، والبعض منها ما زال مخطوطاً. وافتها المنية أيار 1986 في بيروت.

 

•جميلة بوحيرد (بطلة المقاومة والثورة الجزائرية) ولدت عام 1935، هي أيقونة من أيقونات الثورة الجزائرية أثناء الاستعمار الفرنسي أواخر القرن العشرين. شاركت في الثورة الفرنسية عام 1954 من خلال انضمامها الى جبهة التحرير الوطني الجزائرية، والتحقت بصفوف الفدائيين، كما كانت هي وجميلة بو عزة من أوائل المتطوعين في زرع القنابل بطريق الاستعمار الفرنسي. تم إلقاء القبض عليها عام 1957 بعد إصابتها في الكتف بطلق ناري، وتمت محاكمتها صورياً والحكم عليها بالإعدام ونُقلت بعدها إلى سجن باربادوس أشهر مؤسسات التعذيب في عصرنا الحديث. ولم تخرج من السجون الفرنسية، إلا بعد استقلال الجزائر عام 1962.

 

•لور مغيزل (مدافعة عن حقوق المرأة): ولدت عام 1929، في لبنان، وهي محامية لبنانية كانت ناشطة في مجال حقوق المرأة. كان لها الفضل في تأسيس الجمعية اللبنانية لحقوق الإنسان، والحزب الديموقراطي اللبناني. ونادت بضرورة تحقيق المساواة للمرأة اللبنانية، وزيادة مشاركتها السياسية. استمرت محاولاتها حتى نجحت، ووقعت الحكومة اللبنانية اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. كما حصلت على وسام الأرز الوطني عن جهودها الاجتماعية.

•هدى شعراوي (رائدة الحركة النسائية المصرية): ولدت لعائلة مصرية عريقة في مدينة المنيا بصعيد مصر في 23 حزيران من العام 1879، وهي ابنة محمد سلطان باشا الشعراوي (الرئيس الأخير لمجلس النواب المصري). وكانت والدتها إقبال هانم من أصول شركسية. بدأت هدى تعليمها مع إخوتها في سن مبكرة، وتلقت دروساً في قواعد اللغة والخط في عدة لغات. كانت رائدة في الحركة النسائية في نهاية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، ورفضت بقاء النساء في المنازل، ونادت بضرورة مشاركتهن في الحياة السياسية والاجتماعية. وتوفيت في 29 تشرين الثاني 1947.

 

•نزيهة الدليمي (الوزيرة الأولى): تمكنت نزيهة الدليمي من فتح الباب أمام مزيد من النساء في الوطن العربي لشغل مناصب رفيعة، إذ كانت أول امرأة وزيرة في العالم العربي. كانت الدكتورة نزيهة جودت عشق الدليمي، ناشطة عراقية في حقوق المرأة، وإحدى رائدات الحركة النسوية العراقية. وكانت أيضا من القليلات اللاتي درسن الطب في الكلية الملكية للطب وانضمت إلى الحزب الشيوعي العراقي، وبعد تخرجها تم تعيينها في المستشفى الملكي ببغداد، ثم نقلت إلى مستشفى الكرخ، وكرست عيادتها الطبية لتقديم الخدمة الطبية للفقراء بالمجان. وبحسب منظمة “بيونيرز آند ليدرز” (Pioneers and leaders) كانت نزيهة مشاركة نشطة في حركة السلام العراقية، وعضواً في اللجنة التحضيرية لمؤتمر أنصار السلام الذي عقد في بغداد عام 1954. وتحت قيادتها، تطورت رابطة النساء العراقيات، وانتخبت نزيهة عضواً في مجلس الاتحاد، وأصبحت لاحقاً نائباً لرئيس هذه المنظمة الدولية. في العام 1959، عيّنها الرئيس الأسبق عبد الكريم قاسم وزيرة للبلديات، لتكون أول وزيرة في تاريخ العراق الحديث وأول وزيرة في العالم العربي.

شارك المقال