للسنة الثانية على التوالي، يعود شهر رمضان على أهالي القرى الجنوبيّة وسط ظروف قاسية، لكنهم يتعالون على جراحهم، فيحرصون على إحياء ما اعتادوه على الرغم من كل الصعاب التي يمرّون بها.
يتساوى المواطن مع قطاع المطاعم بالظروف القاسية، فهذا القطاع لم يسلم من اعتداءات العدو ابّان الحرب على لبنان، لكنه عاد ونفض الغبار عنه ليستقبل زبائنه كعادته في هذا الشهر بأسعار تختلف من مطعم الى آخر.
ليست السنة الأولى التي تفرغ المطاعم أو يخف الاقبال عليها في الشهر الفضيل، فمنذ أزمة كورونا وهذا القطاع يعاني الا أن نسبة شفائه تتفاوت من موسم الى آخر وفقاً للأزمة التي كان يمرّ بها لبنان في هذا الوقت.
في النبطية، على الرغم من الدمار الهائل الذي أصابها الا أن مشهد الزينة لم يغب، ولا تزال الطقوس والأجواء الرمضانية قائمة والشوارع بعد الافطار تعجّ بالمواطنين، الذين يتمشّون في أسواقها ويلتقطون الصور أمام نصب أكبر فانوس وضعته جمعية تجار محافظة النبطية وسط ركام سوقها التجاري الذي دمّر في الحرب.
اما المطاعم، فمنها من يستقبل الولائم الكبيرة فقط، ومنها من يستقبل الزبائن بعد الافطار وحتى السحور. وطبعاً تختلف نسبة الاقبال عليها في المدينة نفسها بين بلدة وأخرى، ففي أنصار قضاء النبطية، يقدّم مطعم “ورد” لزبائنه أشهى الاطباق، وفي حديث مع هادي داغر أحد أصحابه، يؤكد لموقع “لبنان الكبير” أن “الاقبال جيّد حتى الآن لكن ليس هناك ضغط كثيف ولا يمكن تحديد ما اذا كان الموسم ممتازاً الا في الأسبوع الثاني من الشهر الفضيل.”
ويلفت داغر الى أن “الوضع لا يزال صعباً في الجنوب، وتؤثر اعتداءات العدو على نسبة الاقبال، ففي اليوم التالي من الضربة التي تعرّضت لها البلدة، انخفضت هذه النسبة. لكن عموماً، على الرغم من الغلاء القسري المرتبط بغلاء المواد الأولية ومعاشات الموظفين التي ارتفعت بعد الحرب الا أن الجنوب مليء بالمغتربين الذين يرسلون الأموال الى أهلهم ما يمكنّهم من ارتياد المطاعم للافطار. اما أصحاب المنازل المدمّرة فهم غير قادرين على الافطار خارج منازلهم”، مشيراً الى أن “المدارس مثلاً في السنوات السابقة، كانت في عيد المعلّم تحجز للاحتفال بمدرّسيها، لكن هذه السنة حتى مع العروض التي نقدّمها لها غير قادرة على الاحتفال.”
ويقول داغر: “من المحزن أن لا نرى اقبالاً من فئات المجتمع كافة بسبب الظروف الصعبة التي تمرّ بها ولكن الجنوبي محبّ للحياة والحياة يجب أن تستمر.”
لا يختلف المشهد في النبطية عن مدينة صور، التي لم تزيّن شوارعها، انما اقتصرت الزينة على المطاعم التي بادر أصحابها الى وضعها أمام مداخلها.
فهذه المدينة التي تعرّضت لأعنف الضربات في تاريخها، لا تزال تنبض بالحياة وشوارعها تغص بالزوار وخصوصاً على الكورنيش البحري، لكن المطاعم تتفاوت نسبة نشاطها في وقت الافطار وتعتبر جميعها شبه “مفولة” في السهرات حتى السحور.
ووفقاً لنائب رئيس بلدية صور صلاح صبراوي، فان “نسبة الاقبال تزداد في الأسبوع الثاني من الشهر الكريم وتنشط حركة القطاعات كافة، اذ ان غالبية سكان صور من النساء تتوقف عن تحضير الافطار وتبدأ بارتياد المطاعم كعادتها في كل سنة، وفي الأيام العشرة الأخيرة تفتتح البلدية مع جمعية التجار السوق التجاري القديم ما يزيد من حركة الاقبال.”
ويؤكد صبراوي أن “جميع المطاعم تقدّم وجبات الافطار ونسبة الاقبال جيدة لكن الضغط الأكبر على ما بعد الافطار بحيث يقصد أبناء المدينة المطاعم لقضاء سهرتهم حتى السحور. اما المطعم الأكثر اقبالاً على الرغم من أنه الأغلى فهو مطعم الجواد الذي لا يفرغ من رواده من الافطار حتى السحور.”
لم تنجح الحرب في طمس طقوس الشهر الفضيل على الرغم من الدمار والغموض في ملف اعادة الاعمار وكيفية التعويض والنزوح المستمر لأهالي المناطق الحدودية وحتى الاعتداءات التي تطال الجنوب بين الحين والآخر، لأن الأمل في قلوب أبناء الجنوب وحبهم للحياة كسائر اللبنانيين يظلان أقوى من الألم.


