أكثر من 13 جريمة قتل شهدها لبنان منذ بداية العام الحالي، آخرها وحتى اللحظة جريمة بلدة جويا الجنوبية، حيث أقدم (م.ح.ج) على استدراج الطفل (ر.ق.ع.ع) مساء الاثنين، إلى منزله، وذبحه بالسكين، ما أدى إلى وفاته على الفور، علماً أن الطفل من عائلة سورية، والده ناطور، ويقطن في الجهة المقابلة لمنزل الجاني.
ووفق المعلومات التي كان حصل عليها موقع “لبنان الكبير”، فور حصول الجريمة، من رئيس بلدية البلدة، فان الجاني يعاني من اضطرابات عقلية، وقد حاول الانتحار منذ أقل من عام، لكن فرق الدفاع المدني تدخلت لإنقاذه. وأشار أيضاً الى أن الجاني ظهرت عليه قبل أيام أعراض وتهيؤات بأنه شخصية دينية، إلاّ أن لا أحد اهتم بالموضوع، على إعتبار أنه “على البركة”، علماً أن الجاني وبحسب ما تقول مصادر من البلدة لموقع “لبنان الكبير”، كان يتعاطى حبوباً من نوع المخدرات، وأقدم على طعن نفسه بالسكين عدّة مرّات.
وإنطلاقاً من إعتبار أن الجاني “على البركة”، نطرح التساؤل التالي: إلى متى سنظل نحصد جرائم بدوافع مرضية، حتى نطلق الصرخة حول أهمية الاهتمام بالصحة النفسية؟ وإلى متى سنفسّر الأمراض العقلية والذهنية على أنها “مس شيطاني”؟
تجيب الخبيرة في الحماية الأسرية، والناشطة الجتماعية رنا غنوي: “للأسف يتم التعامل مع هذه الأعراض على أنها نتيجة الادمان، الكحول، أو بسبب الكتيبة وغيرها، متجاهلين لأبعد الحدود أن الشخص لديه إعاقة ذهنية مثلها مثل أي إعاقة يمكن أن يتوارثها جينياً، أو أمراض نفسية، مثلها مثل أي مرض يصاب به مطلق إنسان، ويقتصر العلاج في الكثير من الأحيان على مقولة الله يشفيه”.
وبالعودة الى الحالة التي تمّت متابعتها من خلال رفاق الجاني ومعارفه المقربين، تقول غنوي: “الجاني لا يتعاطى الحبوب، بعكس ما أشيع، بل يتناول أدوية لعلاج الذهان، ومن المفترض أنه يعاني من أعراض متنوّعة منذ سنوات”. وتضيف: “في سياق متابعة الجريمة، علمنا أن الجاني حاول قتل جاره أيضاً قبل أشهر، ويمكن القول إنه لو تمّت معالجة الأمر آنذاك، لكنا تفادينا ما حصل”.
وتشير غنوي الى نقطة مهمة، وهي أن الأشخاص الذين يعانون من هذا النوع من الاضطرابات، يمرون بمراحل سلوكية عدّة، ومنها مرحلة الاستقرار السلوكي، وهنا يظن من حوله أنه شّفي.
وتتابع غنوي: “يبدو أنه أقدم على الجريمة، أثناء مروره بنوبة ذهنية وحالة عقلية غير مستقرّة، ولا دليل على أنه قام بالفعل نتيجة تخطيط مسبق، لأنه لم يفر، ولم يقاوم القوى الأمنية، ولا دليل على أنه نكّل بالجثة، بل من الواضح أنه قام بتقليد مشهد قد يكون شاهده في الأفلام أو المسلسلات”.
وتؤكد غنوي أنها ليست مخوّلة لتشخيص نوع المرض الذي يعاني منه الفاعل، لكن يمكن الجزم بأنه يعاني من إعاقة نفسية. وتتطرّق إلى الثغرات القانونية والقضائية التي نعاني منها في لبنان، وهي أن الجاني الذي يعاني من أمراض ذهنية وعقلية، يحاسب على أنه عاقل، ويعالج على أنه مريض، علماً أن ظروف الاحتجاز لا تراعي هذه الحالات في الكثير من الأحيان.
الأطر القانونية للجريمة
أما المحامي حسين رمضان، فيوضح لموقع “لبنان الكبير”، الأطر القانونية، للقضية، ويقول: “الجريمة توصف بأنها جريمة معقدة، لأن عدّة إعتبارات تدخل فيها، ومنها الحالة العقلية للمرتكب، التي من شأن القضاء أن ينظر فيها، وعلى الرغم من أن الفعل مدان، وهو بتوصيفه القانوني، جريمة، إلاّ أن الجاني يمكنه أن يستفيد من عقوبة مخففة، إذا ثبت أنه يعاني من إضطراب يؤدي إلى هذا الجرم بالتحديد، وأنه كان منعدم الارادة عندما أقدم على إرتكاب الفعل، وهذا تحدده لجنة طبية تابعة للمحكمة”.
أمّا عن طريقة إحتجازه، فيؤكد رمضان وجوب “أن يوضع في نظارة فردية، لحمايته وحماية المحتجزين منه، كما أن جزءاً من المسؤولية يقع على كلّ من كان يعلم بحالته، ولم يقم بأي فعل لمنع حدوث الجريمة، وهنا أقصد من كان مسؤولاً عن رعايته، ولم يبلغ الجهات المسؤولة عن وضعه، كونه يشكل خطراً على نفسه بالدرجة الأولى وعلى المجتمع”.
“ما بيسمع كلمة أهله”
مصدر من فريق شرطة جويا، وهي احدى الفرق التي قامت بإعتقال الجاني، يشرح لموقع “لبنان الكبير” كيفية إعتقاله، قائلاً: “دارت الشكوك حول الشاب العشريني، لأنه أقدم على محاولة إنتحار في السابق، ونعلم أن سلوكه ليس سوياً، وبالتالي توجهنا إلى البيت الذي يقطنه وحده، في الجهة المقابلة، طرقنا الباب عدّة مرّات قبل أن يجيب”.
ويضيف: “استرقينا النظر من شقوق الباب، ورأيناه يأكل البوشار، وإلى جانبه السكين. ناديته باسمه، وسألته عن الطفل، فلم يجب أيضاً، عندها اضطررنا الى خلع الباب، فحمل السكين مهدداً بإيذاء نفسه، قائلاً هيّاه جوّا، ويقصد الطفل”.
وبخلاف ما أشيع يؤكد أن “الجثة غير منكّل بها، ولم يقم بنحره، أو قطع عنقه، بل طعنه مرتين في رقبته”.
وأثناء الاعتقال لم يبدِ الجاني أي مقاومة، وعند سؤاله لماذا قتله، أجاب: “ما بيسمع كلمة أهله”.
وفي السياق، وبحسب مصادر من البلدة، الجاني لديه محل للحلاقة فيها، وتفاقمت حالته منذ حوالي العام، وهو يسكن وحده بعد إنفصاله عن أهله.


