ساحة النجمة… صيف بيروت يشرق من جديد

عمر عبدالباقي

ساحة النجمة في بيروت واحدة من أشهر المعالم التاريخية في العاصمة اللبنانية، وتمثل قلب المدينة النابض. وهي منطقة تجمع بين الماضي والحاضر، بين التراث التاريخي والحداثة، وتعد نقطة حيوية في المدينة، حيث تحتل مكانة خاصة في ذاكرة اللبنانيين. تاريخياً كانت ساحة النجمة مركزاً تجارياً وثقافياً في بيروت، منذ العهد العثماني. في البداية، كانت منطقة عامرة بالأسواق والمقاهي والمباني ذات الطابع المعماري العثماني. ومع مرور الوقت، أصبحت نقطة التقاء اجتماعياً وسياسياً للعديد من اللبنانيين. وشهدت الساحة أثناء فترة الانتداب الفرنسي، تحولات كبيرة في التخطيط العمراني، بحيث تم تطويرها لتكون ساحة مركزية تجذب الزوار وتحتضن الأنشطة التجارية والاجتماعية. وفي تلك الحقبة، بني مبنى المجلس النيابي اللبناني، الذي لا يزال موجوداً حتى اليوم.

بعد الحرب الأهلية، عانت بيروت من دمار كبير في بنيتها التحتية، وكان وسط المدينة، بما في ذلك ساحة النجمة، جزءاً من هذا الدمار. عقب اتفاق الطائف 1989، بدأ الرئيس الشهيد رفيق الحريري مشروع إعادة إعمار بيروت، وكان له دور محوري في إعادة إحياء ساحة النجمة. وتحت إشرافه، تم ترميم المباني التاريخية مثل المجلس النيابي، وإعادة تعبيد الطرق وإنارة الساحة، التي تحولت إلى مركز حضاري وتجاري يعكس وجه بيروت العصري مع الحفاظ على طابعها التاريخي.

كانت ساحة النجمة في تلك الفترة مركزاً حيوياً، مليئاً بالمحال التجارية والمطاعم والمقاهي، كما كانت تحتضن الفعاليات الثقافية والفنية، ما جعلها وجهة مفضلة للمواطنين والسياح. كما ساهمت هذه التحولات في تعزيز الاقتصاد اللبناني من خلال جذب الاستثمارات والمشاريع التجارية، الأمر الذي انعكس إيجابياً على الحياة الاقتصادية في المنطقة. وأصبحت ساحة النجمة رمزاً للوحدة الوطنية وإعادة بناء لبنان بعد سنوات من النزاع، وعكست طموح الرئيس الحريري في إعادة بناء الوطن على أسس جديدة.

أُغلِقت ساحة النجمة في بيروت لأسباب أمنية في عدة مناسبات، خصوصاً بعد أحداث 17 تشرين الأول 2019، بحيث شهدت المنطقة اشتباكات بين المتظاهرين والقوى الأمنية. استمر إغلاق الساحة والطرقات المحيطة بها لعدة سنوات، ما أثر بصورة كبيرة على الحركة الاقتصادية والاجتماعية في وسط بيروت، وتسبب في تعطيل مصالح العديد من المحال التجارية، بما في ذلك المطاعم التي تعتمد على حركة السياح والزوار فانطفأت البهجة التي كانت تعم في هذه النقطة بحلول أعيادها وغيرها من الأيام.

واليوم بعد انطلاقة العهد الجديد، أعلنت قيادة شرطة مجلس النواب في 12 شباط الماضي إزالة العوائق الحديدية والاسمنتية من الطرقات المحيطة بالساحة، بدءاً من شارع المصارف وصولاً إلى الوسط التجاري. هذه الخطوة جاءت بعد سنوات من الاغلاق، بهدف إعادة الحياة إلى وسط بيروت وتسهيل حركة المرور، ما سيساهم في إعادة تنشيط الاقتصاد المحلي، خصوصاً للمحال التجارية والمطاعم التي تأثرت بالإغلاق.

في الأيام الأخيرة، عشية عيد الفطر ومع اقتراب الموسم الصيفي، انطلقت ورشة صيانة شاملة لمنطقة أسواق بيروت، تشمل أعمال الإنارة وتجديد الطرقات، على أن تنتهي قبل نهاية الشهر. وتأتي هذه المبادرة من الهيئات الاقتصادية بهدف تشجيع المستثمرين وأصحاب المحال التجارية على العودة إلى الساحة، وبدأ بعضهم بالفعل في إعادة افتتاحها. هذه الخطوة تؤكد مجدداً دور القطاع الخاص في تعزيز الاقتصاد اللبناني.

بعد سنوات من الركود الاقتصادي والصعوبات التي مرّت بها العاصمة، عادت “أسواق بيروت” لفتح أبوابها مجدداً، ما يعكس التفاؤل والأمل ويثبت قدرة اللبنانيين على النهوض على الرغم من التحديات.

تزامنت هذه العودة مع فتح نحو 200 محل تجاري، بالاضافة إلى جذب علامات تجارية عالمية جديدة، ما يوفر استثمارات في مختلف القطاعات التجارية. كل ذلك يجعل من أسواق بيروت نقطة جذب مهمة للمتسوقين والمستثمرين على حد سواء.

خطة سياحية شاملة

في حديث لموقع “لبنان الكبير”، أكد مصدر من وزارة السياحة، أن الوزارة في ظل الحكومة الجديدة، مستعدة لاستقبال جميع المؤسسات الراغبة بالاستثمار في القطاع السياحي، وأنها توفر كل الشروط والمتطلبات الخاصة بفتح المطاعم والمنشآت السياحية.

وأوضح المصدر أن بعض المطاعم الذي كان يعمل في وسط بيروت عاد الآن لفتح أبوابه مجدداً مع بدء عمليات الصيانة والتجديد في ساحة النجمة. كما أشار إلى أن هناك تحديات كبيرة في دفع الحركة السياحية إلى الأمام، بحيث أن بعض المطاعم يواجه صعوبة في افتتاح فروع جديدة في وسط بيروت بسبب ارتفاع الايجارات.

ولفت المصدر الى أن أعمال الصيانة التي تُنفذ في ساحة النجمة تأتي ضمن خطة شاملة لإعادة إحياء وسط بيروت التجاري، وتشمل تطوير البنية التحتية، إضافة إلى تحسين الاضاءة والطرقات، بهدف جعل المنطقة أكثر جذباً للسياح والمستثمرين على حد سواء. هذه الخطوات تشكل دعماً مهماً للمحال التجارية، في وقت يسعى فيه لبنان إلى إنعاش اقتصاده السياحي بعد فترة طويلة من الركود.

وفي الصيفية المقبلة، يُتوقع أن تظهر ساحة النجمة بصورة مختلفة تماماً، بحيث ستشهد تحولاً ملحوظاً في البنية التحتية والتجارية. بعد عمليات الصيانة التي تُنفذ حالياً، ستتمتع الساحة بإضاءة جديدة وشوارع معبّدة، ما سيجعلها أكثر جذباً للسياح والزوار. وسيكون هناك تحسين في الطرقات وتجديدات للمرافق العامة، ما سيعزز تجربة الزوار ويشجعهم على العودة إلى المنطقة. من المتوقع أن تكون ساحة النجمة هذا الصيف نقطة جذب رئيسية للمتسوقين والسياح، خصوصاً مع افتتاح بعض المطاعم الجديدة الذي بدأ بالظهور في المنطقة، على الرغم من أن العدد لا يزال أقل من السابق. كما ستشهد المنطقة استقطاباً لمزيد من الأنشطة الثقافية والفنية، ما يعزز دور الساحة كمركز حيوي للمدينة.

شارك المقال