إرتدت الميناء في طرابلس ثوب الحزن في أيّام رمضان الأخيرة بعدما فُجعت بحادثةٍ قاسية، فهذه المدينة التي شهدت خلال الشهر الفضيل الكثير من التجاوزات والجرائم، واجهت حريقاً صادماً قبل حلول عيد الفطر، أدّى إلى وفاة خمس ضحايا (أشقّاء) من عائلة سورية واحدة اختناقاً لأسباب باتت بديهية، لأنّها تُكرّر نفسها في المدينة كلّ فترة من دون أنْ يتعظ أحد، وترتبط بالحرائق النّاتجة عن المولّدات الكهربائية وتمدّد النيران بسبب وجود مواد مخزّنة وسريعة الاشتعال في العلن أو الخفاء، تماماً كما حدث في البداية مع مبنى “الزيلع” في نهاية العام 2024، مروراً بحريق المبنى على طريق الميناء خلال شهر شباط فوق نادي “بروفتنس”، وصولاً إلى مبنى “عبد يحيى” منذ ساعات.
عائلة الأسعد التي تسكن في الميناء منذ أعوام، تعيش في غرفة ضمن الموقف (الكاراج) التابع للمبنى، ويُؤكّد مصدر من الدّفاع المدنيّ شارك في إخماد الحريق لـ “لبنان الكبير” أنّ الغرفة كانت مخصّصة للكهرباء وتحتوي على أسلاك كهربائية، وتمّ تخزين بعض المواد المشتعلة فيها كالبلاستيك، الفلّين، الكرتون والأخشاب، ليقوم الوالد الذي يجمعها، ببيْعها ليُعيل عائلته لا سيما مع قرب حلول العيد، وبالتأكيد لم يكن يتوقّع حدوث هذه المأساة التي أودت بحياة أبنائه، أمّا الأم (من آل السوسي) فكانت في السوق تشتري قطعة ثياب لأحد أبنائها، لكنّها فُجعت بالصدمة التي لم يُسبّبها إلّا الفقر من جهة، والجهل وغياب الوعي من جهةٍ ثانية”.
وعن إخماد الحريق، يُوضح المصدر أنّه “على الرّغم من رداءة الآليات لدينا، وتصليح حرّاس المدينة إحداها أخيراً وكنّا عملنا على إخماد الحريق عبرها، إلا أنّ المأساة وقعت والأطفال ماتوا اختناقاً”.
مصدر أمنيّ كان كشف على الموقع، يصف ما حدث في الميناء، بأنه مأساوي، ويقول لـ “لبنان الكبير”: “لا بدّ من انتظار نتائج التحقيقات بالتأكيد للحكم على المسبّب الرّئيسيّ، وقد حضر المعنيّون إلى مكان الحادثة وتمّ استدعاء الخبراء للكشف على مصدر الحريق الذي قد يكون ناتجاً عن احتكاك كهربائيّ، ولكن من خلال الكشف الأوليّ، فإنّنا رصدنا أنّ الغرفة التي كانوا فيها، تقع بالقرب من باب الكاراج، وكان يُمكنهم الخروج منها، لكنّ بسبب شدة الحريق بعدما مسّ البلاستيك، عجزوا عن الخروج بعدما حاولوا كثيراً، فماتوا اختناقاً للأسف”.
وبعد تعاون فرق الدّفاع المدني وفرق الاسعاف في جهاز الطوارئ والإغاثة في إخماد الحريق، تمّ إسعاف المصابين ونقل الجثث إلى مستشفيات المظلوم، المنلا، والإسلامي عبر فرق الصليب الأحمر وجهاز الطوارئ. وخلال وجوده أمام طوارئ مستشفى الاسلامي لتسلم الجثث، لم يُخفِ هاشم، الوالد “المتحسّر” عبر تصريحاته، أنه جمع البلاستيك في الغرفة لاعالة أبنائه وليشتري لهم أغراض العيد، “وقبل توجّهي إلى العمل، تحدّثت مع ابنتي وسألتها عن والدتها، فأكّدت أنّها ذهبت إلى السوق لُتبدّل الملابس أو الكنزة، فطلبت منها إغلاق الباب عليها وعلى إخوتها (والذين يبلغ أكبرهم 18 عاماً تقريباً أو أصغر، وهم ثلاثة فتيان وفتاتان: محمّد، محمود، حسام، أماني وآلاء)، وبعدها احترق الكاراج وعدت ووجدتهم ضحايا، ولقد ماتوا صائمين”.
وبعد الفاجعة، تأتي مسألة الدفن بحيث لم يترك الشباب والمتطوّعون ربّ هذه الأسرة الذي كان محتاراً في كيفية تقبّله هذه الفاجعة أوّلاً، وكيفية دفنه لأبنائه الخمسة واحداً تلو الآخر ثانياً، ويقول أحد الشبّان لـ “لبنان الكبير”: “واجهنا صعوبة في العثور على مقبرةٍ لدفنهم، بحيث طلبت مقبرة الغرباء في الزاهرية (التي يُدفن فيها كلّ غريب عن هذا البلد)، 300 دولار على كلّ منهم، ثمّ تكفّل أحد الشيوخ مشكوراً في الميناء بفتح مقبرة قديمة لهم في مدافن الميناء القديمة، وعلى ما يبدو، أنّنا بتنا نحتاج إلى واسطة كيّ نتمكّن من دفن المظلومين والفقراء في البلاد، وكان البعض تواصل مع دار الفتوى ولم يتلقّ أحد منهم رداً منها في بداية الأمر”.
وينفي مصدر من دار الفتوى، لـ “لبنان الكبير”، تبلّغه أيّ خبر عن هذا الموضوع أو تواصل أحدهم معه مباشرة عن هذه الفاجعة الأليمة، قائلاً: “مسؤوليتنا بالتأكيد تأمين المدافن لهم، وذلك في الميناء أو في غيرها من المدافن في المدينة، وأعان الله أهاليهم على هذا المصاب الجلل”.


