"التدابير المنزلية" في مواجهة الأزمات غير مجدية

مجتمع 22 تشرين الأول , 2021 - 12:13 ص
الليرة وصندوق النقد

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

راحت حكومة... وجاءت حكومة... والوضع المعيشي إلى المزيد من التردي، فالغلاء الفاحش يطال كل شيء من ربطة الخبز الى الدواء الى المحروقات، الضروريات لم يعد بإمكان المواطن اللبناني تأمينها فكيف بالكماليات التي تغير تصنيفها اليوم بحكم الأزمات المتلاحقة. اللبنانيون استغنوا عن أمور كثيرة في حياتهم اليومية، ليس فقط عن أكل اللحوم والأجبان وغيرها من المواد الغذائية التي حلّقت أسعارها، إذ لجأوا إلى صيغ التدبير المنزلي في عيشهم اليومي من الأكل الى الاستشفاء الى اللباس فالتنقل، لعلهم ينجون من حياة الجحيم ويتجاوزون الصعوبات الحالية، لكن الكلام سهل والواقع زفت ونار الغلاء تلسع كل افراد العائلة، فكيف تغيرت حياة اللبنانيين مع تبدّل الأحوال خلال السنتين الماضيتين؟

تروي آمال الخطيب لـــ"لبنان الكبير"، إنها كانت موظفة في شركة قبل ان تترك عملها منذ نحو الشهرين بعد تفاقم ازمة البنزين لان راتبها لم يعد يكفي للذهاب والعودة من الشوف حيث تسكن الى مكان عملها في بيروت، على الرغم من تقاسمها أيام العمل الأسبوعي مع صديقة في استخدام سيارتيهما "ثلاثة أيام بثلاثة". لكن المليون و200 ألف لم تعد كافية للتنقل فطلب مني زوجي التوقف عن العمل لانه لم يعد له أي فائدة مادية. وتشير آمال الى انها منذ اشهر تعمل على بيع بعض قطع الذهب حتى تسدّ النقص في مصروف البيت فهي ام لثلاثة أولاد وراتب الزوج الذي يعمل في احدى دوائر الدولة لا يكفي للاكل والشرب بحده الأدنى و"لكني اتكتك بالمواد والطبخات ووصلت معي الأمور الى بيع الكومبيوتر الشخصي الذي كان ضرورياً بالنسبة لي في عملي واكتفيت بأن يدرس اطفالي اونلاين السنة الماضية على هاتفي". وتشير الى انها صارت تلزم أولادها بتناول السندويش للتوفير اما بخصوص مصروف الاولاد فكل يومين منجيب صنف، ولم يعد بإمكاننا توفير العصير والبسكويت لان هذه الأمور صارت من الاحلام بالنسبة الى صغارنا".

وتضيف والدمعة في عينيها: "ما يسبب لي القهر ان يحكي لي ابني قصة بالقول بتتذكري لمن كنتي تاخذينا لتشتري لنا شوكولا طيب للمدرسة، بكل صدق، حرموا ولادنا من الصحة والحياة".

وتحكي كيف انها تعمل على تدوير الملابس بين اطفالها لانها استغنت عن شراء الجديد لا بل انها حولت جزءاً من ملابسها الى ابنتها الصغيرة بعدما طلبت من والدتها التي تملك ماكينة خياطة بتصغيرها بطريقة مناسبة، مستدركة.. لكن لا يمكن دائما إيجاد حل سوى بشراء قطع جديدة لان الولد يكبر ويتغير شكل جسمه، وغالبا الجأ الى البالة لحل الامر الضروري الا ان "البالة صارت غالية أيضا".

آمال غير متفائلة بحل قريب للازمة "لأن المسؤولين تماسيح"، وتقول: "أنا كأم لثلاثة أولاد ابحث عن أي بلد يفتح لنا باب الهجرة، لا نريد أموالاً نحن نعمل ونعيّش أولادنا بأمان، بالأمس هاجر اخي وترك زوجته وأولاده فقط ليؤمن لهم الطعام، نحن انتهينا بكل ما للكلمة من معنى دمرونا ودمروا مستقبل أولادنا، ابنتي عمرها 5 سنوات تقول لي إنها تحلم بالهجرة".

وتتأسف غادة ن. على هذا الزمن "نحن في عصر تتراجع فيه اعوامنا الى الوراء، الانسان اعتاد في حياته التقدم الى الأمام، اما نحن فنعيش على أمل يعيدنا الى الوراء". وتقول: "أولادنا في مهبّ الريح لا ندري ماذا سنقول لهم وبماذا سنجيبهم عندما يطلب الولد منا مصروفه اليومي وليس بالإمكان تلبية حاجاته ولا نجد له المبررات المقنعة، سوى ما معنا مصاري، هو لا يفهم هذا الامر واحيانا أقول في نفسي لم يكن علينا انجاب الأطفال في هذا البلد وتحميلهم مسؤولية فوق طاقتهم، اننا نحرمهم حقوق طفولتهم ولا نجد الأجوبة المنطقية لإسكات تساؤلاتهم".

وتضحك بمرارة على حال البلد، موضحة "مرت الكثير من السنوات ونحن ننتقل بسياراتنا، اما الآن أصبحنا نشعر بالخوف اذا اردنا التنقل حتى لا ينقص البنزين صرنا نخاف من المرض لأننا لن نجد الدواء وصرنا نتمنى الموت قبل ان نتبهدل من حياة الفقر والعوز".

نجيب حمية أستاذ في احدى المدارس الخاصة، ينعى هذه الحياة، ويقول: "صرنا في حال يرثى لها، كنّا نذهب الى مكان عملنا بالسيارة الآن اضطررنا الى استخدام باص المدرسة، وصار من الأفضل عدم خروج المواطن من البيت هذه الأيام لان الخروج من المنزل مكلف جداً، الواحد منا في هذه الحياة لم يعد يفكر سوى بالبنزين ودفع اشتراك الكهرباء وشراء الغاز، صار يعمل فقط ليسكر المدفوعات الضرورية حتى الطعام لم يعد بإمكانه التفكير به، وصار يكتفي بالعدس والبرغل والفاصولياء واللحوم لم تعد موجودة في قاموس الطعام، وحتى الاجبان والالبان وعلى الطريق لن نستطيع شراء الخبز التي سيطير سعرها الى 9000 كما طار سعر كرتونة البيض الى 80000 وكيلو الأرز العادي الى 25 الفا".

وبمرارة يسأل: "ماذا سيقول الإنسان بعد، لم يعد هناك كلام يمكن ان يعبر عن الحال التي نعيشها كلياً ونحن ذاهبون الى الحضيض وان شاء الله نقدر نصمد".

تفتقد أم أحمد الحياة الميسورة التي كانت تعيشها، وتقول: "كانت امورنا ماشية ولم نحتج احدا في حياتنا، كنا نعيش ونخرج مع الأولاد مطاعم، مسابح، جبل، بحر، حتى جاءت هذه الازمة، كنا في السابق إذا كنت مشغولة ولم يكن بإمكاني تحضير طبخة نطلب ديليفري، كنا نعمل ولا شيء يؤثر فينا، اما الآن فلم نعد نستطيع العيش والتصرف كما كنا في السابق، اكثر ما نفتقده مشوار الاحد الذي كان ينتظره الأولاد وذلك بسبب ازمة البنزين والغلاء ولم نعد نخرج الى أي مكان، كنا كل شهرين نشتري ثياباً جديدة وبيجامات ونبدل احذيتنا كل ذلك اختفى من حياتنا بسبب الغلاء ولم يعد بإمكاننا العيش كما كنا سابقا".

ويحدثنا أبو علي روضة، ميكانيكي السيارات، كيف تغيرت الأحوال، ويشرح: "معاناة الغلاء لاحقت الناس في المنزل وفي العمل، كل الأمور تغيرت، لم يعد الناس يقبلون على إصلاح سياراتهم تراجعت النسبة الى 70 في المئة واكثر، فالزبائن صاروا بيعملوا الف حساب قبل اصلاح السيارة، كل القطع في السوق أسعارها بالدولار واذا اردنا ندفع باللبناني الحساب على سعر صرف الدولار بالسوق السوداء وزيادة الف، الزبون من قبل كان يأتي كل 5 او 6 اشهر ويطلب عمل "ريفيزيون" للسيارة فرامات منزوعين او لا يطلب تغييرهم، الآن يأتي ويقول اذا بيمشونا بعد شهر اتركهم، وكان الزبون يغير الزيت على 3000 كيلومتر الآن بتمشي سيارتو 6000 او 7000 ولا يغير، كان الزبون تقوليلو كلفت السيارة 300 دولار يعطيك 450 الف من دون مشكلة، الآن اذا بتقولي له كلفت 50 دولاراً يضرب على راسه صارت الخمسين دولارا مليون وشوي، تراجع العمل وبالنسبة للمواصلات صار السرفيس بـ30 الفاً ضمن بيروت وراتب الموظف ما زال مليون ونصف المليون او مليونين؟".

ويسأل: "لا أعرف كيف يمكن العيش في هذا الوضع، يمكن ان البعض يعيش من دولارات تأتيه من الخارج وحتى لو، مثلا البنزين صارت التنكة بـ312 الف يعني اقل شي 2 مليون ليرة للبنزين بالشهر، انا أعيش خارج بيروت والمواصلات مكلفة بالنسبة إلي، كتير ناس وقفت الشغل لانو معاشها بيروح عالبنزين شو بدو يحكي الواحد ليحكي وبخصوص الغلاء ما تسألي عن الغلاء في كتير عائلات استغنت عن اللحمة الكيلو صار 200 و250 الفاً في ناس مأساتها كبيرة".

التدهور المعيشي يسير باللبنانيين نحو هاوية الفقر والتدابير المنزلية لم تعد تجدي نفعاً، قد يكون البعض تكيف مع واقع الازمات المتوالية وخفتت أصوات الاحتجاج، الا ان هذا السكوت لن يكون الحل والهروب من الواقع لن يزيل غمامة الجوع والعوز، ويبقى المطلوب واحداً خطة للانقاذ ومحاسبة الفاسدين، والتغيير برسم الناس الذين سيصوتون في 27 آذار المقبل.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us