حملات ضبط العمالة السورية جنوباً… بين الخوف من الترحيل وضرورة التنظيم

فاطمة البسام

في ظل الهدنة القائمة، يشهد الجنوب اللبناني مرحلة مؤقتة من الهدوء فتحت الباب أمام عودة تدريجية للحياة اليومية، وعودة بعض المشاريع والأنشطة الاقتصادية، ما خلق حاجة ملحّة إلى اليد العاملة، خصوصاً في قطاعات البناء والزراعة والخدمات. ومع تزايد الطلب على العمل، عاد إلى الواجهة ملف تنظيم وجود اليد العاملة السورية، التي لطالما لعبت دوراً أساسياً في هذه المجالات. ولمنع الفوضى والتجاوزات، بدأت بلديات عدة، من بينها بلدية بنت جبيل، بالتنسيق مع الأمن العام اللبناني، باتخاذ خطوات ميدانية لتنظيم هذا الوجود، بما يراعي الواقع الأمني والاقتصادي الحساس في هذه المرحلة الانتقالية.

ضمن اتحاد بلديات بنت جبيل، كما في بلدات أخرى، بدأت السلطات المحلية بالتعاون مع الأمن العام بتنظيم حملات تهدف إلى ضبط الوجود السوري غير المنظّم، ويشمل ذلك تسجيل أسماء العمال، تحديد أماكن إقامتهم، والتأكّد من أوراقهم القانونية. كما يُطلب من أصحاب العمل التقيّد بالإجراءات وتسجيل العمّال لديهم بصورة رسمية، منعاً لأي مساءلة قانونية.

رئيس بلدية عيناثا، رياض فضل الله، أكد في حديث لموقع “لبنان الكبير” أن الحملة بدأت قبل أسبوع، وهي لا تستهدف أحداً، بل تهدف حصراً إلى التنظيم. وقال: “نحن لا نضيّق على أحد، ولا نلاحق أي نازح لمجرد كونه سورياً. ما نقوم به هو تنظيم وجودهم بما يحفظ الأمن ويحمي مصالحهم ومصالح أبناء البلدة”. وأشار الى أن البلدية لاحظت في الفترة الأخيرة ازدياداً في عدد العمال غير المسجّلين، ما يستوجب التدخّل لضبط الوضع قبل أن يخرج عن السيطرة.

وأوضح مصدر في الأمن العام اللبناني، لموقع “لبنان الكبير”، أن التعاون مع البلديات يندرج في إطار تطبيق القوانين المرعية الإجراء، وضمان أن يكون الوجود الأجنبي منظّماً وموثّقاً بما يتناسب مع مقتضيات الأمن والاستقرار. وأكد أن الأمن العام لا يهدف إلى الترحيل العشوائي أو الملاحقة، بل إلى تنظيم العلاقة بين المقيم والدولة اللبنانية. “وجود غير منظم يعني ثغرات أمنية محتملة، ونحن معنيّون بإغلاقها عبر التنسيق مع السلطات المحلية”، بحسب المصدر.

ينظر إلى هذه الخطوات من زوايا متعدّدة، فبينما يرى البعض فيها ضرورة لحماية التوازن الاجتماعي والأمني، يعتبر آخرون أنّها قد تؤدي إلى تقييد العمالة الرخيصة التي يعتمد عليها الكثير من المزارعين والعمال، خصوصاً في ظلّ غياب بديل محلي. ويخشى بعض النازحين من جهة ثانية أن تتحوّل هذه الاجراءات إلى شكل من أشكال التضييق أو الترحيل المقنّع، على الرغم من الطمأنة التي تؤكد أنّ الهدف هو التنظيم لا الطرد.

محمد، عامل سوري في الثلاثين من عمره، يعمل في ورشة ترميم منذ أشهر في إحدى قرى قضاء بنت جبيل، يقول: “ما عندي مشكلة ينظّمونا، بالعكس نحنا بدنا نشتغل بطريقة قانونية ونضل مرتاحين. بس خايفين من شي قرار فجأة يوقفنا عن الشغل، ووقتها منروح بلا مصاري ولا أمان”.

ويعبّر حسين، صاحب مؤسسة صغيرة تعمل في مجال المقاولات، عن تأييده للحملة من حيث المبدأ، لكنه لا يخفي قلقه: “نحنا محتاجين لهالعمّال، وإذا صارت الاجراءات معقّدة أو صار صعب نستفيد منهم، رح تتوقف مشاريعنا. الدولة بدها تنظم، بس لازم تخلّي الأمور واقعية”.

تحديات التطبيق

تواجه هذه الاجراءات عدّة صعوبات، أبرزها الوضع الأمني غير المستقر، والافتقار إلى قاعدة بيانات دقيقة، فضلاً عن النقص في الموارد البشرية لدى البلديات. كما أنّ بعض العمال السوريين يعمل بصورة موسمية أو غير منتظمة، ما يصعّب عملية تنظيمه بالكامل. وعلى الرغم من ذلك، ترى الجهات المعنية أن هذه الخطوة تشكّل بداية ضرورية، في انتظار تسوية شاملة لوضع النازحين في لبنان.

شارك المقال