انتهت المعارك، لكن الحرب لم ترحل بالكامل عن جنوب لبنان. في الحقول الممتدّة على أطراف القرى الحدودية، لم تعد الطمأنينة تسكن بين السنابل، ولا المزارع يفلح أرضه كما اعتاد. بعد الحرب الأخيرة، تركت القذائف خلفها ما هو أكثر من الدمار: تركت موسماً ضائعاً، وخسائر زراعية يصعب تقديرها بالمال فقط.
الجنوب، الذي لطالما تغنّى بخصوبة ترابه وجودة محصوله، يواجه اليوم واقعاً زراعياً هشاً. آلاف الدونمات بقيت بوراً لأشهر، إما بسبب الخطر الأمني أو نتيجة احتراقها بالكامل. الطرق الزراعية دُمّرت، أنظمة الري تعطّلت، والألغام والقنابل العنقودية باتت تترصّد من يحاول العودة إلى الأرض.
وسط غياب خطط التعويض الشاملة، وشحّ المساعدات، يقف المزارع الجنوبي اليوم في مواجهة تحدٍّ مزدوج: إعادة الحياة إلى أرض متعبة، واستعادة ثقته بأن الموسم القادم قد يحمل له ما فقده هذا العام من أمل وقوت.
من بين أبرز المحاصيل التي تضرّرت في الجنوب، تأتي أشجار الزيتون في الصدارة. فقد التهمت النيران المندلعة بسبب القصف مئات الدونمات، وأحرقت أشجاراً معمّرة كانت تمثّل مصدر دخل موسمي أساسي للعديد من العائلات. كما تضررت زراعة الحمضيات والتبغ، وهي من الزراعات التقليدية في القرى الجنوبية، إمّا بسبب القصف المباشر أو تعذّر الوصول إلى الحقول خلال فترات التصعيد.
الضرر لم يقتصر على المحصول، بل امتدّ إلى البنية التحتية الزراعية. أنظمة الريّ دمّرت أو تعطّلت نتيجة غياب الصيانة ونقص المحروقات. الخزانات تسرّبت، والأنابيب تحطمت، في وقت ارتفعت فيه كلفة الإنتاج بصورة جنونية، من البذور إلى الأدوية والأسمدة، ما جعل استمرار الزراعة مخاطرة اقتصادية لا يقدر عليها الجميع.
وفي ظل التلوث الناتج عن بقايا القصف واحتراق الأراضي، يواجه المزارعون اليوم تحدّيات بيئية خطيرة تهدد خصوبة التربة وصحة المحصول، في غياب أي تدخل رسمي جدّي لرصد الأضرار أو تقديم الدعم الفني والمالي اللازم لإعادة النهوض بالقطاع الزراعي في الجنوب.
وفي ضوء التأخّر المستمر في صرف التعويضات الحكومية، برز دور بعض المنظمات الدولية كخشبة خلاص مؤقتة للمزارعين في الجنوب. فقد سارعت منظمات إنسانية وتنموية إلى إجراء تقييمات ميدانية أولية للأضرار الزراعية، وقدّمت مساعدات محدودة تمثّلت في توزيع بذور موسمية، معدات زراعية بسيطة، وورشات تدريب على الزراعة المستدامة وإدارة الأزمات.
منظمة “الفاو” وقوات “اليونيفيل” بالتعاون مع جمعيات محلية، عملت على إعادة تأهيل بعض شبكات الري في القرى المتضررة، وساهمت في تأمين خزّانات مياه ومواد بيئية لمعالجة التربة الملوثة. كما أطلقت مبادرات لتشجيع الزراعة المنزلية في القرى الأكثر تضرراً، بهدف تأمين حدٍّ أدنى من الأمن الغذائي الذاتي للعائلات المتروكة لمصيرها.
وعلى الرغم من أهمية هذه المبادرات، إلا أنها تبقى غير كافية مقارنة بحجم الخسائر الفادحة التي لحقت بالقطاع الزراعي، وتبقى مجتزأة وغير شاملة، في ظل غياب خطة وطنية موحدة تضمن التنسيق بين الجهات الرسمية والدولية، وتُسرّع في تعويض المزارعين قبل أن يتخلّوا نهائياً عن أرضهم أو يستبدلوها بمهن أخرى.
المساعدات الزراعية مستمرة جنوباً
وفق أحد المشرفين على مشروع “Green the Land”، الذي ينشط في مناطق لبنانية عدّة بينها الجنوب، فإنّ المشروع يُنفَّذ عبر أكثر من جهة مانحة، بحيث تتوزّع المناطق جغرافياً بين الممولين. وقال في تصريح لموقع “لبنان الكبير”: “هذه ليست المرّة الأولى التي ننفذ فيها المشروع. كجمعية، سبق واشتغلنا في منطقة الشريط الحدودي ما بين 2021 و2023، لكن التنفيذ توقف مع بداية الحرب في 27 تشرين الأول، وتوقف معه تلقائياً كل الدعم، فمن استفاد قبل هذا التاريخ استفاد، ومن لم يلحق، فقد فرصته”.
وأوضح أنّ المشروع عاد بنسخة جديدة خلال فترة التهدئة، بحيث بدأ الكشف على مزارعين جدد تمهيداً لإطلاق مرحلة ثانية من الدعم، مشيراً الى “أننا بدأنا منذ شباط الماضي بالزيارات الميدانية، والمشروع لا يزال قيد التنفيذ حتى اليوم، بحيث نقوم بالتواصل مع المزارعين المستفيدين وتحديد حاجاتهم”.
أما عن نوع المساعدات المقدّمة، فلفت الى أن “أبرز ما نقدّمه هو استصلاح الأراضي، خصوصاً عبر تفتيت الصخور وشقّ الجلول، بالاضافة إلى إنشاء جدران دعم مبنيّة من الحجارة، إما لحماية الأراضي من الانجراف، أو كنوع من التصوين لحمايتها من التعديات. كذلك نقوم بتركيب خزانات إسمنتية لتجميع مياه الري، وهو أمر أساسي ليستطيع المزارع الاستمرار في زراعة أرضه خلال فترات الجفاف”.
المشروع يُنفّذ على مستوى لبنان، لكن في الجنوب يتركّز العمل حالياً في مناطق شماليّ الليطاني، إلى جانب بعض الملفات القليلة العالقة من المشروع السابق في مناطق أخرى من الجنوب، “لكنها لا تشكّل أكثر من 15% من النشاط الحالي”، بحسب تعبيره.
نايف مديحلي، وهو مزارع من إحدى قرى قضاء صور، قال إنه كان على وشك التخلّي عن أرضه بعد الحرب الأخيرة، بسبب تضرّر شبكات الري وصعوبة الوصول إلى الحقل: “كانت الأرض متروكة من كم شهر، ما بقى أقدر أوصلها، ولا عندي قدرة صلّح شي من جيبتي، خصوصاً بعد ما احترقت الجلول وتكسّرت الأنابيب من تحت الأرض”.
لكن الأمور بدأت تتغيّر مع تدخل مشروع “Green the Land”، الذي ساعده على استصلاح أرضه وتأمين خزان مياه إسمنتي: “جاؤوا وكشفوا على الأرض، ساعدوني بتكسير الصخور وإنشاء جدار دعم، وركّبوا خزان مي كبير، هيدا الشي رجّعلي الأمل وخلّاني أزرع من جديد. اليوم عندي مزرعة خضار صغيرة، وبلّشت بيع بالأجر القليل”.
ورأى الحاج حسن أنّ هذا النوع من المشاريع يجب أن يستمر، لا كمساعدة ظرفية، بل كجزء من خطة دعم طويلة الأمد: “نحنا ما بدنا صدقة، بدنا نشتغل ونكفي بأرضنا، بس بدنا حدا يوقف معنا، خاصة بهيك ظروف بعد الحرب”.


