في محمية صور – الشواكير، تتقاطع اليوم عوامل التهديد البيئي والقانوني في مشهد يعكس أبعاد أزمة عميقة تعصف بأحد أهم المواقع الطبيعية في لبنان. منذ أواخر أيار الماضي، شهدت المحمية حرائق متكررة ومكلفة، أزهقت مساحات واسعة من الغطاء النباتي النادر، وسط غموض يلف أسباب اندلاعها، وتحقيقات لا تزال معلقة بلا نتائج واضحة.
لكن النار التي تُشعلها الحرائق ليست الوحيدة التي تهدد المحمية، إذ تجري في محيطها أعمال بناء غير قانونية على عقارين رئيسيين (1574 و1575)، تصاعدت على الرغم من صدور قرار قضائي صارم في آذار الماضي بوقفها. هذا القرار، الذي أتى بعد شكوى رسمية وتدخل قضائي، واجه تحدياً صارخاً من وزارة الدفاع التي استمرت في تنفيذ الأشغال، مدعية عدم تسلمها الإشعارات الرسمية، في موقف يطرح أسئلة جدية حول احترام الدولة لسلطة القضاء وسيادة القانون.
القاضية يولا غطيمي، صاحبة القرار، لم تكتفِ بإصدار التوجيهات القانونية فحسب، بل فرضت غرامة مالية يومية على الوزارة، وإدخال الدولة كطرف في النزاع، في محاولة لردع الانتهاكات وحماية البيئة التي تبدو اليوم في مرمى مشاريع تجارية ومصالح متداخلة.
المشهد يتسم بتوتر متصاعد، بحيث يبرز المجتمع المدني والفعاليات الحقوقية والبيئية كحراس متشددين للمحمية، ينظمون ندوات ومؤتمرات، ويطلقون تحذيرات صارمة حول مخاطر استمرار هذه الأعمال على النظام البيئي الهش. تحذيرات تأتي في ظل غياب رؤية واضحة وحماية فاعلة من الجهات الرسمية، ما يضع محمية صور – الشواكير في قلب صراع بين القانون، السلطة، والمصلحة.
في هذا السياق، تبدو المحمية على مفترق طرق: إما أن تنتصر فيها إرادة حماية البيئة والمجتمع المدني، أو أن تتحول إلى ضحية أخرى للتجاوزات التي تهدد طبيعة لبنان وتراثه البيئي.
مصدر في جمعية “الجنوبيين الخضر” يقول لموقع “لبنان الكبير”: “في تطور مثير للقلق، لا تزال الأعمال الإنشائية جارية في منطقة الشواكير – صور، على الرغم من صدور قرارين عن قاضي الأمور المستعجلة في صور بوقف الأشغال فوراً، آخرهما في 15 أيار 2025، والذي أكد مجدداً على القرار السابق، وضمّن الدولة اللبنانية رسمياً كطرف في الدعوى، موجّهاً نسخاً عن قراره إلى وزارات الدفاع والبيئة والثقافة.”
وعلى الرغم من صدور قرار قضائي واضح وتغريم الجهة المخالفة يومياً 200 مليون ليرة لبنانية عن كل يوم تأخير، لا تزال الأعمال مستمرة على مرأى من الجميع في موقع طبيعي وأثري مصنّف بموجب القوانين المحلية والاتفاقيات الدولية، أبرزها اتفاقية رامسار لحماية الأراضي الرطبة، واتفاقية “اليونسكو” للتراث العالمي، وبالتالي ما يحصل يُعد انتهاكاً فاضحاً لسيادة القانون، وتواطؤًا بالصمت من الوزارات المعنية، بحسب الجمعية .
ويلفت المصدر الى أن “القضية تعود إلى العام 2024، عندما بدأت الجمعية برصد أعمال إنشائية في منطقة الشواكير، داخل نطاق محمية صور الطبيعية وضمن الأراضي الرطبة الحساسة. وقد توجّهت الجمعية حينها بكتب رسمية إلى وزارة البيئة، ثم إلى وزارات الدفاع والثقافة، من دون أن تلقى تجاوباً عملياً لوقف الأشغال.”
“تقدّمنا بدعوى عاجلة أمام القضاء، وصدر أول قرار في 12 آذار 2025، لكن وزارة الدفاع ردّت على القرار بطلب التراجع عنه، فردّت المحكمة بقرار أقوى في 15 أيار، وأدخلت الدولة كطرف رسمي في القضية. على الرغم من ذلك، لا شيء تغيّر على الأرض. والأشغال الجارية تطال عقارات تحتوي نحو 20 نقطة أثرية تعود الى العصور الفينيقية والرومانية والبيزنطية، تم توثيقها في المسح الأثري لعام 2019 بالتعاون بين المديرية العامة للآثار وجامعة روما”، بحسب المصدر الذي يؤكد أن “هذه المواقع تُشكّل جزءاً لا يتجزأ من المشهد الثقافي لمدينة صور المصنفة على قائمة التراث العالمي، وأن أي ضرر يلحق بها سيكون غير قابل للتعويض.”
وأمام تمنّع الجهات المعنية عن تنفيذ القرارات القضائية، أعلنت الجمعية إطلاق عريضة وطنية موجهة إلى الرؤساء الثلاثة، تتضمن مطالعة قانونية شاملة توثّق المخالفات، مشيرة إلى أنها تدرس حالياً خطوات تصعيدية قانونية وشعبية، بهدف فرض تطبيق القانون ووقف التعدي على المحمية والموقع الأثري.
ويعتبر المصدر أن “المسألة لم تعد بيئية فقط، بل هي اختبار لهيبة الدولة ومدى احترامها لقرارات قضائها. إذا كان قرار بوقف الأشغال لا يُنفذ ولا تُحاسب الجهة المخالفة، فماذا تبقى من سلطة الدولة؟”.
وتواصل “لبنان الكبير” مع وزارة البيئة لمعرفة ما اذا كانت قد اطلعت على الأثر البيئي للمشروع، ورأيها في الانتهاكات التي تتعرض لها المحمية، فكان الرد: “نرجو المراجعة لاحقاً (آخر حزيران)”. فهل تتهرّب الوزارة من الجواب بسبب مشاركتها في الانتهاكات، أم أنها تتريّث حتى تتضّح الأمور أكثر؟


