تنظيف نهر أبو علي في طرابلس: العبرة بالاستمرار والمحاسبة

إسراء ديب

رحّب أبناء طرابلس بأعمال تنظيف نهر “أبو علي” بعد مرور أشهر على مواجهة الفيحاء “سيْلاً” من النّفايات، الروائح والحشرات التي فتكت بأبناء المنطقة (بسبب رميّ القاذورات والقمامة فيه بلا حسيب أو رقيب)، ودفعت أحد المخاتير منذ أيّام إلى إطلاق صرخة عبر مواقع التواصل دعا فيها المعنيين إلى التدخل لحلّ هذه الأزمة “وإلّا سنتجّه نحو الشارع”، فيما اشتكى الطرابلسيّون من هذا التلوّث الخطير الذي يتكرّر باستمرار من دون معالجة جذرية لمسبّباته التي تنعكس على الواقعيْن البيئيّ والسياحيّ في المدينة أوّلاً وفي محيط النهر حيث تنتشر المباني السكنية ثانياً.

التنظيف نُفّذ عبر شركة “لافاجيت”، وجاء بتوجيهات “معتادة” من بلدية طرابلس وبمتابعةٍ شخصية من رئيسها عبد الحميد كريمة الذي أكّد أنّ “هذه الخطوة تعني المجلس الذي يكترث بالقضايا البيئية ويضعها على رأس الأولويات”، لكن أهالي طرابلس يُؤكّدون بمعظمهم أنّ النهر سيُلوّث بعد أيّام من جديد بسبب قيام البعض (لا سيما من أصحاب المحال حوله وتجّار أو العاملين في الخضار، الفاكهة والكراتين) برمي النفايات فيه باستمرار وفق شهود عيان يُتابعون هذه التفاصيل دورياً.

وخلال العهود البلديّة سابقاً، كانت المدينة على موعدٍ متكرّر مع تنظيف النّهر كلّ فترة، وسط غياب الأساليب أو الآليات المبتكرة التي تحرم أو تمنع بعض الموجودين ضمن هذا النّطاق، من رمي نفاياته في نهرٍ تاريخيّ يرتبط بذاكرة المدينة المملوكية بصورة مباشرة خصوصاً قبل العام 1955، أيّ قبل فترة الطوفان “القاتل” الذي مسح معه معالم لا تُمسح من ذاكرة القاطنين فيها حينها والذين ما زالوا يستذكرون هذه التفاصيل الحيّة بالنّسبة إليهم.

سيّدة من التبانة وبعمر الـ 87 عاماً، تحسّرت في حديثٍ عبر “لبنان الكبير”، على النّهر الذي تحبّه ولا تُريد أنْ تراه في هذه الحال “القبيحة” التي تُخالف “حلاوة” ماضيه. وتقول: “منزلنا كان على ضفاف النّهر في منطقةٍ كلّها عائمة، وتعلّمت السباحة فيه مع أنّه معروف بتدفّقه القويّ خصوصاً خلال فصل الصيف، حيث لا يتجرّأ أحد على السباحة فيه لقدرته على سحبه سريعاً، وحينما كنّا نريد السباحة الآمنة، نتوجّه إلى حفرة عميقة مع انقسام النّهر إلى قسميْن، الأوّل تسبح فيه النّساء، والثاني للرجال، وكنّا نرصد الموز، التوت والليمون على ضفافه، وطاحونة القمح، فكان المشهد جميلاً ونظيفاً خلافاً للمشهد المقزّز اليوم، والذي لم نكن نراه سابقاً بسبب شدّة مراقبة البلدية على النّهر والفواكه وكلّ ما كان يُباع في تلك المنطقة المليئة بالبساتين، ونتذكّر أنّ البلدية كانت تُتابع كساد الفواكه والخضار، وترميها في منتصف النّهر من الجسر، أمّا عن أهلنا، فكانوا يتصيّدون السمك ووالدتي كانت تُتبّله بالملح لأكثر من 24 ساعة للحدّ من حلاوته، حتّى أنّنا كنّا نشرب من مياه النّهر مباشرة ونستخدمها في المنزل ونروي منها الأراضي، أمّا اليوم، فهل يُمكننا لمس النّهر ورصد ثروة سمكية سليمة؟”.

وأضافت: “مرحلة ما قبل الطوفان، ليْست كما بعده، وكنّا اعتدنا سنوياً طوفانه ولم يكن مريباً بالنسبة إلينا، خصوصاً حينما كانت البلدية تُردّد: يا سكّان النّهر، اليوم جاية يطوف النّهر، لكن لم نتوقّع أنْ يُمسح منزلنا عن بكرة أبيه العام 1955. وبعد هذا الكابوس، تحوّلت معالم المدينة كلّها، وتمّ بناء مسطبة باطونية (جدران اسمنتية) على ضفافه وتوسّع مجرى النّهر وتمّ ترفيعه، ما دمّر شكله كلّياً، ومنذ ذلك الوقت هجر الطرابلسيّون النّهر وبدأ التلوّث”.

حتّى هذه اللحظة، يُجمع الطرابلسيّون على أنّ مشروع “الإرث الثقافيّ” انعكس على شكل النّهر ورفع من مستوى التلوّث فيه بعد بناء أسقف فوق النهر جمعت البالات والبسطات العشوائية التي انتشرت فوقه وعلى ضفافه، ما دفع التجار والعمّال إلى اعتياد رمي النّفايات فيه والتي لا يُمكن إزالتها إلّا بتدخلٍ مباشر من البلدية.

تلوّث النّهر في طرابلس لم يكن سهلاً على الأهالي يوماً، إذْ لم يغفل أحد منهم مشهد تراكم النّفايات وتدفّق المجاري (الصرف الصحي) باستمرار نحوه، الأمر الذي يُحوّل وجهته من سياحية وأثرية كانت جذبت السيّاح لأعوام، إلى وجهةٍ خطيرة وموبوءة صحياً وبيئياً. ومع انطلاق عمل المجلس البلديّ الجديد ومباشرته بتنظيف النّهر، أطلق أبناء المدينة نداءً لبلديتهم كي ترصد خطّة عمل جديدة تحمي النّهر عبر المراقبة والمحاسبة بأسلوبٍ يُضاهي بلديات طرابلس في الماضي التي كانت تكترث بالنّظافة والأمن كما يقول كبار السنّ في المدينة، ويتحدّث المتابعون عن ضرورة تركيب كاميرات مراقبة في النّهر أو تعيين لجان رقابية ترصد المعتدين عليه وتمنعهم عن تلويثه، مع أهمّية إصدارها قرارات تفرض غرامات على المتجاوزين، وتحدّ من رمي المجارير في مياهه مع تشغيل محطّة التكرير في المدينة وتفعيل دور الجمعيات التوعوية التي تُحيي الذاكرة الطرابلسيّة بالتنسيق مع وزارة البيئة أو الوزارات المعنيّة.

شارك المقال