عاشوراء الجنوب بصوت خافت… والحذر سيد المشهد

نور فياض

تغيب المسيرات العاشورائية المركزية هذا العام عن جنوب لبنان، ولا سيما مدينتا النبطية وصور، للسنة الثانية على التوالي، بعدما كانتا تشكّلان مسرحاً رئيسياً لإحياء الذكرى. الغياب لا يرتبط بأسباب تنظيمية أو لوجيستية، بل هو قرار سياسي–أمني بامتياز، فرضته الأوضاع في الجنوب والتوترات المستمرة على طول الحدود، والتي جعلت من التجمعات هدفاً محتملاً في ظل هشاشة الاستقرار القائم. وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار، لا يزال الخطر قائماً، ما دفع إلى اعتماد مقاربة أكثر تحفظاً في إدارة ذكرى عاشوراء.

في النبطية، المدينة التي كانت تضج بالحشود والهتافات، يسود هذا العام هدوء ثقيل. لا يزال الدمار الناتج عن الغارات الأخيرة ماثلاً في بعض أحيائها، والحياة لم تستعد حيويتها الكاملة بعد، في مشهد يعكس عمق التحولات التي فرضها الصراع. لم تعد الذكرى مجرّد مناسبة دينية، بل باتت محكومة بمعادلات الردع والتوازن، في زمن لم تعد فيه الشعائر بمنأى عن حسابات الجغرافيا السياسية.

لبس الجنوب ثوب الحداد، ورُفِعت اللافتات والشعارات الحسينية والرايات والأعلام السود والحمر بالاضافة الى صور الشهداء المدنيين والمقاومين الذين ارتقوا في مواجهة قوات العدو الاسرائيلي وجرّاء عدوانه. صحيح أن المجالس الحسينية مقتضبة والمسيرات غائبة إلى حدّ كبير، إلا أن أبناء الجنوب لم يتخلّوا عن طقوسهم، إذ تنتشر المضائف الحسينية بكثرة في القرى والبلدات، محافظة على الروح العاشورائية، ولو بصيغة أكثر بساطة وتكيّفاً مع الظروف الأمنية.

يشير المسؤول الاعلامي لحركة “أمل” في اقليم جبل عامل علوان شرف الدين عبر “لبنان الكبير” الى أن “كل المسيرات المركزية ألغيت للسنة الثانية على التوالي بسبب حرب الاسناد والاعتداءات الاسرائيلية، والمشهد لن يتبدّل بعد وقف اطلاق النار بين ايران والعدو فالقرار قد اتخذ قبل حدوثه”.

ويوضح شرف الدين أن “المسيرات المناطقية لا تزال قائمة انما بمشاركة أبناء البلدة فقط، والمجالس العاشورائية استؤنفت استثنائياً في ساحة العلم في مدينة صور بعد أن صدر قرار بوقفها، ولكنها ستقتصر فقط على الخطبة الدينية (المجلس) ولا وجود لأي كلمة سياسية اختصاراً للوقت ولداوفع أمنية. أما في البلدات فهي كالمعتاد وتختلف من بلدة الى أخرى وفقاً للخطيب المُحاضر ولا الغاء لأي مجلس، والمناطق الحدودية أيضاً كميس الجبل وشقرا ستحيى فيها هذه المجالس”، لافتاً الى أن قوى الجيش والقوى الأمنية منتشرة دائماً وتقوم بكل التدابير الأمنية اللازمة.”

اما في النبطية، فلا يختلف المشهد عن صور، اذ رفعت راية الحزن مختلطة مع صور الشهداء، كما حضِّرت المضافات لاستقبال محرّم، ويؤكد مصدر خاص لـ “لبنان الكبير” أن “لا شيء مختلف في النبطية عن السنة الفائتة، انما ألغيت مسيرات الأحزاب ليلاً فقط، وستقام مسيرة واحدة مختلفة عن الأحزاب. اما المجالس في المدينة فلا وجود لمجلس للحركة وآخر للحزب، فالمجلس دائماً موحّد لكل أبناء المدينة تحت اشراف الشيخ عبد الحسين، اذ سيقام مجلس عزاء ليلاً ومن ثم مجلس لطم. والبلدات المجاورة كلّ منها تحدد وقت مجالسها ومكانها. لكن اللافت هذه السنة أن التدابير الأمنية تنجزها الجهات الأمنية الرسمية وليس الأحزاب التي كانت في كل سنة تهتم بهذا التفصيل.”

وسط هذا المشهد، يُواصل الجنوبيون إحياء المناسبة ضمن نطاق محلي ومحدود، تحت سقف الحذر الأمني، وعلى وقع ترقّب دائم لما قد تحمله الجبهات من تطورات. ومع ذلك، تبقى رمزية عاشوراء حاضرة، ولو بصوت خافت، في منطقة لم تخرج بعد من دائرة الخطر ولم تستعد عافيتها بصورة كاملة.

شارك المقال