أصحاب المولّدات يتمادون بحيلهم في طرابلس!

إسراء ديب

تحوّلت مافيا المولّدات شمالاً إلى وحشٍ كاسر لا يُمكن قهره ويعمد عبر نفوذه إلى التحكّم بمصير آلاف الطرابلسيين الذين لا يُدركون كيفية التعامل مع “عنجهية” بعض أصحاب الاشتراكات خصوصاً خلال فصل الصيف الذي لا يُمكن “المزح” معه على الاطلاق، فيستغل صاحب المولّد هذه الحاجة الأساسية ليرفع سعرها من جهة، ويقطعها عن الكثير من المناطق والأحياء (التي تتفاوت التسعيرات في ما بيْنها أساساً) من جهةٍ ثانية، خصوصاً حينما كرّرت البلديات مطلبها بضرورة التزامه بتسعيرة وزارة الطاقة وتركيب العدّادات، ما دفع “المافيا” من عكّار إلى طرابلس إلى ابتزاز المواطنين بكلّ ما للكلمة من معنى كيّ ينصاع كلّ محتاج إليْها.

الطرابلسيّون الذين يُقلقهم تمادي النيران التي ما زالت تشتعل يومياً بلا حدود، لم يكن ينقصهم سوى تمادي صاحب الاشتراك الذي لا يكترث بالساعات التي تُعطيها شركة “قاديشا”، وحوّل معركته في المدينة مع البلدية، “الطاقة” والمواطن، إلى حرب بيانات، ليُؤكّد أنّه لا يُقدّم خدمات مجانية “على سواد عيوننا”.

وحسب بيانٍ نُشر منذ أيّام لأصحاب المولّدات (الذين يختلفون “بالدم” على انتقال الزبون من أحدهم إلى الآخر، ولا يختلفون على ظلمهم للمواطنين وعلى تهرّبهم الضريبيّ بمئات آلاف الدّولارات)، اعتبروا أنّهم أصحاب مصالح حرّة لن تُقدّم بضائعها مجاناً، ومن حقّها “الشرعيّ” الربح كأيّ مصلحة أخرى بنسبة تبدأ من 20 وتصل إلى 50 بالمائة “فنحن لسنا جمعية خيرية تتلقّى دعماً خارجياً ولسنا المسؤولين عن تقديم خدمة الكهرباء للمواطن بشكلٍ شبه مجاني، وهذا واجب الدّولة، علماً أنّ قاديشا تُقدّم ساعتيْن كهرباء وبفاتورة 150 دولاراً شهرياً، ونحن نقدّم ما لا يقلّ عن 16 ساعة يومياً، بتكلفة 150 دولاراً على 5 أمبير شهرياً”.

وإذْ يُؤكّدون عدم ممانعتهم تركيب عدّادات، يُوضحون أنّ خلافهم يكمن على تسعيرة وزارة الطاقة “غير المنصفة”، لأنّها بُنيت على دراسة أُجريت العام 2010 على المازوت الأحمر، “أمّا اليوم فنحن نستعمل المازوت الأخضر الذي يحترق أسرع بنسبة 20 بالمائة من الأحمر”، وختموا بيانهم بتشديدهم على أنّهم لا يسرقون ولا يُجبرون المواطن على شيء.

“التكبّر” الذي يُعوّل عليْه أصحاب المولّدات لم يكن مستغرباً، لكنّه اتضح فعلياً منذ بدء الحديث عن ضرورة تخفيض التسعيرة أو تركيب العدّادات التي تستفزّهم، وذلك على الرّغم من تلاعبهم بها بشهادةٍ المشتركين في طرابلس، ومع أنّهم يتعاملون بمبدأ “إذا مش عاجبك، هاجر”، كتب بعض الطرابلسيين رداً عليهم جاء فيه: “لسنا ضدّ الرّبح المشروع، لكنّنا لسنا قادرين على تحمّل أسعار الاشتراكات التي باتت تُشكّل عبئاً يفوق قدرة أيّ عائلة، خصوصاً في ظل غياب أيّ دخل ثابت، الغلاء المعيشي، وانقطاع الكهرباء، ما يضّطرنا الى الاعتماد كلياً على اشتراكاتكم”.

وحول عدم “إنصاف” التسعيرة الرسمية، أكّدوا “أنّها المحاولة الوحيدة لضبط فوضى التسعير والاستغلال، لأنّ غياب الرقابة، شجع الكثير من المولّدات على فرض أسعار تفوق القدرة الشرائية للمواطنين الذين لديْهم حرّية الاختيار، لكن الحقيقة أنّهم محاصرون بيْن: انقطاع الكهرباء الرسمية؛ عدم القدرة على شراء مولّد خاص أو تركيب الطاقة الشمسية، وفرض اشتراكات بأسعار لا تتناسب مع الدخل. فأين هو الخيار الحقيقي؟”، مطالبين بإعادة النّظر في الأسعار، والتعاون مع الجهات الرسمية لإيجاد تسعيرة عادلة تأخذ في الاعتبار ظروف الجميع، “لأننا لا نريد التصادم معكم، ونبحث عن حل يُنصفكم ولا يُنهكنا”.

وبعد اجتماع البلدية مع أصحاب المولّدات بعد استئناف العمل فيها مباشرة، واجهت البلدية ضغوطاً شعبية بسبب هذا الملف الذي يقع على عاتقها، ما دفعها إلى إصدار بيانٍ منذ أيّام، ذكّرت فيه بإلزامية تركيب العدّادات للمشتركين والالتزام التام بالتسعيرة الرسمية، محذّرة من مخالفة هذه التعليمات “لأنّها ستُعرّض أصحاب المولدات لاتخاذ كل الاجراءات القانونية والادارية والقضائية اللازمة بحقّهم”، وحثّت المواطنين على التبليغ عبر الخط الساخن عن أيّة مخالفة.

في الواقع، “أصمّ” معظم أصحاب المولّدات أذنيْه عن شكاوى المواطنين وتحذير البلدية في طرابلس، ويُحاول رفع تسعيرته وابتزاز المواطنين عبر جملة “روحوا عند غيري أو بطفي مولّداتي”، فيما يسعى البعض ووفق تأكيد مواطنين من القبّة عبر “لبنان الكبير”، إلى إجبار المشتركين على توقيع ورقةٍ تُظهر موافقتهم على التسعيرة التي يصل سعر الأمبير فيها إلى 36 دولاراً. وتقول سيّدة في المنطقة: “وقعنا على ورقة للقبول بتسعيرته منذ شهر، وبعد ضغط البلدية عليْه، خيّرنا منذ أيّام، بورقةٍ أخرى بيْن العدادات والأمبير، لكن الكثير منّا كان يعتمد على الأمبير بسبب قلقه من الغش، وصاحب الاشتراك يُدرك النّتيجة مسبقاً لتقديمها إلى البلدية، فيُصرّ على تسعيرته وشروطه، وإنْ خالفت البلدية أهواءه ينتقم منّا بحيل لا تنطلي على أحد لكنّنا مجبرون على الموافقة عليْها”.

وفي أحياءٍ أخرى شمالاً (وخلافاً للميناء مثلاً، التي ما زال بعض أصحاب المولّدات فيها يتعاطى بـ 24 ساعة اشتراك بـ 30 دولاراً للأمبير)، كالزاهرية، التبانة، والمئتيْن مثلاً… يُحاول بعض المكاتب الاستغلالية الضغط على المواطنين بورقة قطع الكهرباء عنهم، “لكن في ظلّ الضغوط البلدية والادارية، اضطّر إلى مسايرة النّاس، وتعهّد بعدم قطعها ليلاً، وتعويضها عبر قطع الكهرباء نهاراً، فيتجنّب الحديث عن التسعيرة التي ما زالت تتراوح بيْن 25 إلى 35 دولاراً، أمّا في بعض بلدات الشمال، كالقلمون مثلاً، فبدأ بالعمل على العدّادات لتحاشي المحاسبة”.

حسب المصادر شمالاً، فإنّ الوصول إلى حلّ مع أصحاب المولّدات قد يكون قريباً “ويأتي بسبب الضغوط والاتصالات الكثيفة مع شبكة المولّدات التي باتت متشعّبة وتمتدّ لأكثر من فرعٍ وعائلة شمالاً، وفي ظلّ رغبة أصحاب المولّدات بتحصيل ربحهم من احتساب التسعيرة، (مع أنّهم لا يخسرون حتّى ولو تقاضوا 20 دولاراً على الأمبير)، إلا أنّهم تمادوا للأسف، والقوى المعنية خصوصاً السياسية والمحلّية منها، ساعدتهم في ذلك لأنّها تملك شبكة مولّدات وشركات محروقات خاصّة بها أساساً”. فيما يلفت مصدر أمنيّ لـ “لبنان الكبير” إلى أنّ القوى الأمنية التي يُطالبها المواطنون بالتّدخل، غير مسؤولة عن تنظيم هذا القطاع الذي تُوكل به البلديات التي كان ينغرّ بعض الاداريين فيها بالرشى التي يُقدّمها بعض أصحاب المولّدات له لتقليل عدد المولّدات أو التغاضي عن المخالفات”.

شارك المقال