الجنوب بين حربين: من وضوح النصر إلى غموض المصير

نور فياض
جنوب لبنان

من تموز 2006 إلى أيلول 2024، مرّ لبنان بحربين على الجبهة الجنوبية، لكن ما بين النهايتين تفاوت كبير في الظروف والنتائج. في 2006، شكّل وقف إطلاق النار مدخلاً لمرحلة من التهدئة وإعادة الإعمار، بينما تبدو الهدنة بعد 2024 أكثر هشاشة، في ظل تطورات ميدانية وسياسية لا تزال مفتوحة على احتمالات مختلفة. وبينما استطاع كثيرون العودة سريعاً إلى بلداتهم قبل عقدين، يواجه اليوم عدد كبير من الأهالي صعوبات كبيرة في العودة، وسط تساؤلات كثيرة حول المستقبل، وما إذا كانت مرحلة التعافي قد بدأت فعلاً.

“راح السيّد، وراح كلّ شي معه. لا عدنا إلى بيوتنا، وبشكّ إنّو نرجع”، تقول الحاجة أم حسن، وهي سيدة مسنّة من بلدة عيترون تقيم اليوم وأولادها في قضاء النبطية بعد النزوح: “هيدي الحرب ما بتشبه شي، أقسى من كلّ اللي مرق علينا. ما عاد تفرق معنا البيوت ولا الدنيا، اللي كسرنا هو غياب السيّد، اللي كان ضهرنا وسندنا، والعدو كان يحسب له ألف حساب”.

وتضيف: ” ليش خلصت الحرب؟ كل يوم الاسرائيلي في أجوائنا، يضرب من يشاء ومتى يشاء ولا أحد يقول له توقّف. كرهنا الحرب، كرهنا صوت الطيران، اذا أردنا الخروج الى البحر نخاف من أن نكون على مقربة من الاعتداء.”

وتتابع وعيناها يملؤهما الدمع: “يا ضيعان الشباب اللي راحوا، يا ضيعان البيوت اللي اتهدمت، والأراضي اللي نشفت، والزرع اللي راح بلا حصاد، على كلّ فدا لبنان والجنوب على أمل ألا يعيش الجيل القادم قساوة الحرب والرعب.”

عام 2006، ما إن أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري وقف إطلاق النار، حتى قال للناس: “عودوا إلى دياركم”، فعاد كثيرون على الرغم من الدمار والقلق، ومن بينهم حسين، الذي لم يتردد لحظة في العودة إلى بلدته الحدودية مارون الراس. حينها، وجد متجره التجاري شبه مهدم، اما منزله، فكان تضرره محدوداً. لكن وقع الانتصار غطّى على كل شيء. يقول: “لم أنظر خلفي، كنت أبتسم وأنا أعبر الطرقات المدمّرة، كنت أرى أعلام النصر تعلو فوق الركام، وبعدها بدأت ورشة الإعمار سريعاً، وعدنا للحياة”.

اليوم، وبعد حرب أيلول 2024، لم يعد حسين. لا المحل بقي، ولا البيت نجا. كلاهما سُوّي بالأرض تحت القصف. ليس لأن الدمار أشد وحسب، بل لأن المشهد مختلف. الهدنة التي كانت طويلة ومستقرة في 2006، تبدو اليوم هشّة ومضطربة، والخروق الاسرائيلية مستمرة، والغموض يلفّ المصير. يقول: “أنا نازح في وطني، أتنقّل من منزل إلى آخر، ولا أعرف إن كنت سأعود أو متى. لا إعادة إعمار، ولا خريطة طريق، ولا حتى وعود حقيقية. لا نشعر بأن الحرب انتهت فعلاً، بل فقط توقّفت مؤقتاً، وقد تشتعل في أي لحظة”.

الصحافي الجنوبي حسين شعيتو، الذي واكب حربَي تموز 2006 وأيلول 2024، يرى أن الفارق بينهما لا يقتصر على الميدان، بل يشمل السياق السياسي، وشكل المواجهة، ونتائج ما بعد الهدنة. ففي حين التزم العدو الاسرائيلي بالانسحاب عام 2006 بعد القرار 1701، احتفظ في 2024 بخمسة مواقع داخل الأراضي اللبنانية، وواصل هجماته الجوية.

ويعتبر شعيتو أنّ حرب 2006 انتهت بانتصار واضح للمقاومة، أما في 2024، فكانت الهدنة هشّة، ولم يتحقّق نصر حاسم، على الرغم من فشل إسرائيل في التقدّم البري. غير أنها نجحت في توجيه ضربات استراتيجية، أبرزها اغتيال الأمين العام السيد حسن نصر الله وقادة بارزين، ما أحدث خللاً في منظومات القيادة والسيطرة.

ويضيف: “المقاومة اليوم في مرحلة إعادة ترتيب وسط واقع إقليمي داخلي أصعب، حيث فقدت سوريا دورها كحليف مباشر، وتحوّلت جبهة الجنوب إلى منطقة دمار شامل طاول 36 بلدة، مع نزوح الأهالي وغياب البنى التحتية.”

أما في الداخل، فقد تغير المشهد السياسي، وغابت نقطة التقاء كانت تتمثّل بشخص السيد نصر الله، فيما تراجع دعم الحلفاء، وتزايدت الضغوط الدولية التي تربط الاعمار بنزع سلاح المقاومة. ويُخاض اليوم صراع جديد في الاعلام والسياسة والاقتصاد، مع محاولة فرض معادلة “المال مقابل السلاح” وفقا لشعيتو، الذي يقول: “المقاومة لم تُهزم، لكنها تمرّ بمرحلة مفصلية تتطلّب وعياً، وإصراراً، وخططاً جديدة لمواكبة تغيّر العدو وشكل المعركة.”

عادت الحياة تدريجياً إلى الجنوب، لكن الخوف من تجدد الحرب لا يغيب عن القلوب. وفي ظل الحديث المتجدد عن تسليم سلاح المقاومة، يُطرح السؤال في العلن وتُرسم السيناريوهات في الغرف المغلقة، لكن حتى اللحظة، لا أجوبة واضحة، ولا خريطة طريق، بل مزيد من الضباب والقلق.

شارك المقال